السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إفصاح: "اللهم ارزقنا صبرًا جميلًا على الطاعات وابتعادًا عن المعاصي.".
إفصاح آخر "كانت لنا ألواننا ، فمتى انغمسنا في السواد ؟!".
****************************************
الفصل التاسع والخمسون
الأحلام.
كل شيء يبدو مريحًا وجميلًا داخل الأحلام.
الأجواء لطيفة، الأحداث مسالمة حتى وإن كانت غريبة بعض الشيء. هكذا كانت أحلامي طيلة فترات حياتي، لكنها توقفت في اللحظة التي ارتبط قدري فيها بالتوبازيوس.
وفجأه أصبحت جميع أحلامي إما غريبة بشكل غير مريح أو نافذة للماضي -الغريب بدوره- او غرفة ضيافة لأثر أرواح عاشت منذ مئات السنين.
لذلك كنت ممتنة من كل قلبي بهذا الحلم الجميل الذي حظيت به أثناء نومي. داخل منزلي، في غرفتي المعتادة أقرأ أحد كتب علم الأعصاب بينما أستمتع بعيدان البسكويت وصوت لوش بينما يتشاجر مع لوريندا يتسلل من خلال الباب المغلق.
لم أكن أحد الأشخاص الذي يجد مكوثه لفترة طويلة داخل غرفته أمرًا مملًا!
على العكس فكلما خرجت من المنزل، تبقى عيني معلقة بعقارب الساعة أنتظر وقت عودتي لمخبئي المريح الدافئ.
لذلك نعم، حلم عادي لي داخل غرفتي أقوم بشيء عادي تمامًا كان بالنسبة لي حلمًا يستحق كل دقيقة نوم.
لكن بالطبع من أظن نفسي؟ كيف يمكن لجلنار أن تحظى بقليــــل جدًا من الراحة بينما تعيش حياة كهذه.
فهدوء غرفتي تحطم فجأة واهتزت جميع جدرانها ما إن انطلقت صوت أجراس ضخمة تضرب المكان بشكل متكرر وكأنني نائمة داخل أحد أبراج الكنائس.
قفزت فزعة من نومي أشعر بقلبي يكاد يغادر صدري، عيني أخذت جولة سريعة حولي قبل أن أبدأ في الهدوء مدركة أين أنا.
ضرب الألم رأسي تزامنًا مع صوت الجرس الذي تكرر وأردت لف حبال الجرس حول رقبة أيًا يكن قارعه! كان الصوت قويًا وعاليًا مشابهًا لأجراس الكنائس الضخمة والفولاذية ولكن لم يكن جرسًا واحدًا بل اكثر من ثلاثة ربما تتالت أصواتهم.
“أستيقظت أميرة عالم المضطربين ذهنيًا أخيرًا”. زفرت مدحرجة عيني دون الحاجة لنظر لصاحب الجملة، ألقيت بجسدي على السرير مجددًا حاشرة رأسي بين الوسائد لعل صوت الأجراس يصبح أهدأ.
“لدينا ضيف يا عديمة الأخلاق والتهذيب، انهضي ورحبي به”. ارتفع حاجبي هذه المرة قبل أن ُأُزيح الوسائد عن رأسي. لا تبدو هذه كمزحة.
رفعت رأسي أنظر نحو يوجين، مكتفًا ذراعية وقد أتخذ الطاولة في زاوية المكان مقعدًا له. أشار برأسه للطرف الآخر من الغرفة لتحلق عيني حيث يقصد.
فوق الكرسي المصنوع من الجلد جلس بكل تهذيب وهدوء شبح آخر لم أره منذ زمن طويل، واضعًا ابتسامة صغيرة على ثغرة وحدق بي بصمت قبل أن يومئ برأسه قائلًا: “صباح الخير”.
كيف يمكن أن يجتمع فعلٌ مريب ومهذب في الوقت ذاته؟
“هل كان يراقبني طول فترة نومي؟” همست ليوجين الذي تحرك واقفًا بجوار فراشي، همس بدوره مجيبًا: “لا أعلم، أستيقظت ووجدته في الشرفة، دخل الغرفة عندما دعوته لذلك لا أظنه مريبًا”.
نهضت جالسة على الفور عندما قال إليف: “يبدو أنني سببت لكِ عدم الراحة”. دحرجت عيني مبتسمة “لا تهتم، هناك شبح يحوم في غرفتي على الدوام، ما المانع من آخر” اتسعت ابتسامته المرتاحة.
“إذًا، ألن تخبرنا أين اختفيت طيلة هذه المدة”. سألت بينما أجمع شعري المبعثر، لا اعلم إن كان عليَّ التعامل معهما كرجيلن في غرفتي أم أشباح طافية لا كيان لها، تعاملي مع الأمر بأرياحية يربكني أحيانًا.
“في الواقع، بعض الأوقات لا أتمكن من الخروج لوقت طويل، وبعض الأوقات الاخرى أطوف المملكة متفقدًا أحوالها” أجاب مسببًا خروج ضحكة عالية من يوجين قائلًا: “وماذا يمكن لشبح مثلك أن يفعل لمملكة كهذه؟ أنت بالكاد يمكنك مساعدة نفسك”.
ضحكة صغيرة غادرت شفتي إليف ولكنني لم أجد الأمر مضحكًا لذلك أمسكت بأحد الوسائد وألقيتها نحو يوجين “ألن تحفظ حدة لسانك قليلًا أيها الأرعن؟” اتسعت عينه بينما تمر الوسادة من خلالها مسببة صفر أضرار “أتمازحينني؟ لقد أعتدتِ السخرية من وضعي كشبح طيلة الوقت؟ حينما فعلتها أنا أصبحت الرجل الشرير؟”.
نهضت من فوق سرير واتجهت نحو الوسادة التقطها من جديد “إنه شبح كبير وعجوز، احترم عمره أيها الأحمق”. دحرج عينه وقال دون أن يكلف نفسه عناء التحدث بصوت منخفض “وكأنكِ احترمتي عمر أورال عندما قلبتم قصره رأسًا على عقب”.
توقفت يدي التي تعيد ترتيب السرير في مكانها والتفت نحوه بأكثر نظرة عدائية صائحة “أيستحق أحمق مثله الأحترام حتى بعد مئة عام؟”.
“إذًا قابلتم راميوس أورال” قاطعنا إليف مسببًا التفات كلانا نحوه “أتعرفه؟” سأل يوجين فأومئ إليف بهدوء “ليس رجلًا يمكن الوثوق به” اتسعت ابتسامة كلانا وصفقت صائحة: “تمامًا هو كذلك، لا يستحق ذرة احترام لكنني حاولت التعامل باحترام قدر الإمكان فقط لأجل ألا تتورط الأميرة في مشاكل معه لاحقًا”.
ارتسمت ابتسامة لطيفة على وجه إليف قائلًا: “يبدو أنكِ والأميرة تتفقان جيدًا” خفتت ابتسامتي قليلًا وتمتمت: “لست على يقين من هذا بعد الفوضى التي سببناها مع مملكة المتنكرين” هذه المرة علت ضحكات إليف “لا تقلقِ، أنا على يقين أنها ستتفهم، فليست بدورها معجبة كبيرة براميوس”.
“وكيف لك أن تعرف ذلك؟” سأل يوجين
“لقد أخبرتكما أنني أطوف المملكة في أوقاتي فراغي، لقد دخلت وخرجت من القصر مرات لا تحصى” أجاب بمنطقية ليومئ كلانا متفهمًا.
“على أي حال، سنعرف اليوم رأيها، فعلي تقديم تقرير كامل بهذه الزيارة” قلت قبل أن أتمتم: “بدأت أتفهم مزاج أوكتيفيان الدائم”.
“لا داعِ لقلق من هذا الموضوع، أظن أن لديكِ مشاكل تثير القلق أكثر من الأميرة” التفت نحو إليف الذي نهض من مكانه، ملت برأسي ببعض الاستغراب مكررة “أي مشاكل أخرى؟”.
نظرت ليوجين الذي رفع كتفيه دلالة على جهله هو الآخر بما يقصد “ألا يبدو وكأنك نسيتِ شيء في غاية الأهمية أيتها الصغيرة؟” أنا؟ ما الذي قد يكون في غاية الأهمية ثم أنساه بهذه البساطة؟ حل الصمت على الغرفة لبضع ثوانٍ وكلانا أنا ويوجين يفكر بجدية لعل أحدنا يتذكر.
تنهد إليف وكان من الواضح من تعابير وجهه أن أمرنا ميؤوس منه “لقد تركتِ إريبوسي في حالة مضطربة وسط آلاف من سكان الحدود وآلاف من الجنود في حالة حرب”.
لخمس ثواني بقيت جامدة في مكاني أحاول تفكيك جملته وكأنها شيفرة صعبة، وكأن عقلي الأحمق بدأ يضع القطع في مكانها الصحيح ولتنقشع غمامة كانت تغطي أسمًا مهمًا نسيته مجددًا..
“كـــــــــــاريـــــــــــــــان!!!”
كان صوت صرختي أنا ويوجين كفيلًا بهز الأكاديمية كاملة ولكن كان هذا أخر ما يهمني.
لقد نسيت كاريان ونريليا! لقد تركتهما وسط السكان كقنبلة موقوتة وخرجت من المملكة كاملة، كم مضى من الوقت؟ أنا بالكاد اتذكر آخر لقاء بيننا!
ارتفعت عيني بشيء من الهلع نحو كل من إليف ويوجين الذي بدوره فارغًا فاهه كالأحمق “آخر مرة رأيتهما فيها كان ذلك عندما حاول الأحمق ألفن إخراج سكان الحدود مستخدمًا القوة، لم آخذ حتى عنوان الفتاة حتى أتمكن من الوصول لهما مجددًا”.
أخرجت صيحة يأس في نهاية جملتي قبل أن أضرب الحائط برأسي أشعر بالسخط من غباء أخطائي
“لا بأس، أعلم كيف بإمكانك إيجادهما”.
التفت بسرعة كادت تكسر رقبتي نحو إليف وقد اشرقت تعابيري مجددًا “كيف؟”. التفت نحو يوجين الذي صاح في الوقت ذاته معي متمتة: “انظر كيف يمكن للاشباح ان تكون مفيدة".
اتسعت عينه وكاد يفتح فمه متذمرًا لكن صوت إليف -الذي جاء عاليًا عن قصد حتى يُسكت كلانا- قاطعه قائلًا: “أخبرتك سابقًا، على عكسك، فأنا أملك الكثير من الوقت الذي يسمح لي التجول هنا وهناك، وبالطبع ما كنت لأبعد عيني عن إيربوسي حر بين المواطنين”. لم تعجبني تلك الصيغة مما دفعني لإسناد ظهري ضد الحائط بينما ظهر عدم الرضى على وجهي “إنه ليس وحشًا سيد إليف”.
صمت لعدة ثوانٍ وقد بدا كمن شرد ذهنه لكنه ما لبث حتى قال: “أعلم! ولكنه خارج عن السيطرة فـ..” قاطعته فورًا: “عن ماذا تتحدث؟ إنه يقوم بما في وسعه لإبقاء لعنته تحت سيطرته” ورغم ماقطعتي له لم يبدو غاضبًا البته على العكس، ظهر التفهم على وجهه وأجاب: “بالكاد يبقي نفسه تحت السيطرة، جلنار انه شاب صغير لا يملك أي فكرة كيف يبقى على قيد الحياة في بيئة تختلف عن بيئته الذي اعتاد عليها، إلى أي مدى تظنين أنه قادر على تمالك نفسه؟”.
حسنًا، يبدو أنني أهملت التفكير في الأكثير من الأمور المهمة. بقيت صامته أشعر بالقلق والندم يتصاعد داخلي شيئًا فشيئ قبل أن أمسح وجهي بضيق واضح.
“لا أحاول لومك أيتها الصغيرة، من الطبيعي أن تُهملي الكثير وسط معمعة الأحداث التي وجدت نفسك فيها ولكن أردت فقط إيضاح لما كان علي إبقاء عيني عليه تحديدًا. ربما مازلت اتعلم الكثير لكنني لا أرى في هذا الشاب وحشًا على الإطلاق. خلال الفترة التي راقبته فيها، كانت يتعامل برحمة أكثر من مئات الرجال الذين قابلتهم في حياتي”.
أومأت بتفهم وحاولت تذكر التوقف عن إلقاء الأحكام المسبقة والإندفاعية عندما يدور الحديث عن الإريبوس.
التفت جراء الشعور بيد يوجين التي حطت فوق كتفي في مواساة وقد نظر نحوي ببعض الشفقة لثوانٍ. كدت ابتسم لمبادرته لكن تعبيره تحولت لازدراء واضح فجأة “توقفي عن وضع تعابير الحزن ولوم الذات هذه، دور مثيرة الشفقة لا يليق بك إنه مقزز لعيني. لما لا نذهب ونركل أحد النبلاء ثم نتناول فطورنا”.
ظللت أحدق في وجهه المشمئز لعدة ثوانٍ في صمت وقد شعرت بكل لحظة أمل في إنسانيته تتلاشى “أتمنى أن تعرف كم أشتهي لكم وجهك الآن” وضع اكبر ابتسامة مستفزة على وجهه مجيبًا: “أتمنى أن تعرفي كم أن عدم استطاعتك لكمي تشعرني بالمتعة المطلقة”.
الان بدأ الغضب يتملكني فعلًا لذا ما إن صرخت بإسمه كان يعلم أنني سأجرب كل طريقة ممكنة حتى تلمس قبضتي عظام وجهه لذلك انطلق بسرعة يركض في أرجاء الغرفة قبل أن يختبء خلف إليف الذي تجمد في مكانه “سأقتلك أيها اللعين”. صرخت قبل أن أنظر لإليف الذي بادلني بنظرات الترقب “ابتعد عن الطريق إذا سمحت سيد إليف”.
“جلنار، أنتي الآن ابنة التوبازيوس، وقائدة فريق من الفرسان، عليكِ تعلم كيف تضبطي أعصابك جيـ..” الأستماع له كان مفيدًا فقد بدأت أهدأ قليلًا وأشعر بغضبي اللحظي يختفي، لكن وجه يوجين الذي حلق من فوق كتف إليف ومازالت تلك الابتسامة المثيرة للأعصاب على وجهه أفشل كل محاولاتي، قاطع إليف ساخرًا: “عليك تعليمها كيف تضبط مشاعرها اتجاه المرضى النفسيين الذي يحاولون قتلها قبل أن تضبط أعصابها أيها الشبح الحكيم”.
اتسعت عيني وقد شعرت بكل ذرة عقلانية تغادر رأسي، تبًا للاحترام وتبًا للأدب. ركضت متجاهلة جسد إليف وقد مررت من خلاله لتصدح صرخات يوجين في الغرفة بينما يحاول الهرب مني “سأقطع لسانك السليط ذاك” صرخت بينما أمسكت أول ما وقعت يدي عليه ألقيه نحوه.
اصطدم الكرسي بالجدار وقد مر من خلال جسده لتتسع عينه ويصرخ في وجهي “أتريدين قتلي؟” أمسكت بحذائي وألقيته في منتصف رأسه صائحة: “أعتذر، لا يمكنني قتل الأموات الذين لايمكنهم الاستمتاع بالطعام مثل البقية” ظل متجمدًا في مكانه قبل يظهر أخيرًا السخط على وجهه وقد منحني لذة لا يمكن وصفها.
“تبًا للشبحية، تريدين قتالًا، هلُمي” صاح في إشارة لتحويل جسدة لجسد ملموس مما رسم ابتسامة ضخمة على وجهي “أنت ميت مجددًا اليوم”. صحت راكضه نحوه، قفزت من فوق سريري بينما حلق بسرعة نحوي.
اللحظة التي لمست فيها باطن كف يدي وجهه كانت واحدة من أجمل لحظات حياتي ولكن لم أتمكن من الاستمتاع بها كثيرًا.
خرجت مني صرخة متألمه ما إن سحب شعري للخلف “هذا غش أيها الغبي” صحت قبل أن أمسك شعره واسحبه بشدة ليندفع رأسه للخلف “أنتِ من أردتِ قتالًا” صاح قبل أن يدوس على قدمي لأسحب شعره بشكل أقوى “قاتل كالرجال إذًا” رفعت قدمي ضاربة معدته بركبتي ليصيح بسبة وتشتد قبضته على شعري.
“أترك شعري أيها الأهوج” صرخت ليصرخ في المقابل “أتركي أنتي أولًا أيتها الشيطانه”. سأنتف شعر هذا الاحمق حتى يتحول لشبح أصلع. صرخ كل منا في الآخر دون أي نية في الاستسلام وكدت أوجه يدي الأخرى لصفعه لكني توقفت في منتصف الطريق عندما التقطت عيني الرأس الزرقاء الواقفة في منتصف الغرفة تحدق في كلانا.
“صــ..صباح ا..الخير!”.
التفت يوجين نحوه وقد لاحظ وجوده ليصيح “أوه المذياع! صباح الخير”. رسمت ابتسامة سريعة رغم الألم في فروة رأسي “صباح الخير هارليك”. ظل يحدق في وجهي وقد فرغ فاهه “أتتشاجرين أنتي والسيد يوجين؟ أعلي الذهاب والمجيء لاحقًا؟ أهذه لحظة لا يجب أن أراكِ فيها؟ أشبه بلحظات الإذلال للقائدة؟” اتسعت عيني ونظرت نحو يوجين بسرعة قبل أن يترك كلانا شعر الآخر في ذات الثانية.
ضحكت بسرعة بطريقة لا تنم عن الفكاهة أبدًا “لقد كنت امزح أنا والاحمق، اعني يوجين، لا داعي للقلق..” ظل يحدق في وجهي قبل أن تنتقل عينه للجزء المسحوب من شريطة شعري للأعلى بسبب الأحمق يوجين.
“تعلمان أنكما الاثنين مطلوب منكما انقاذ العالم” صوت إليف الذي جاء من وراء هارليك دفعني لأدراك أنني تناسيت وجوده تمامًا.
كان جالسًا فوق أحد المقاعد في الغرفة وقد أسند رأسه ضد يده بينما عينه تنتقل بيني وبين يوجين
“هي من بدأت”.
“هو من بدأ”.
التفت نحو بغضب وقلت من بين أسناني “ألن تتوقف؟” ارتفع حاجبه بينما يعيد تنظيم شعره “انظروا من يتحدث”. ألقيت نحوه نظرة حادة متمتة “سأحول رأسك لواحدة صلعاء المرة القادمة”.
“جلنار، لما يبدو الأمر وكأنك تتحدثن مع شخصين؟ هل انقسم السيد يوجين لشخصين؟ هل أصابته لعنه ما عند هجوم الإريبوس على ارض المتنكرين؟ لقد قالوا لنا أن الجميع بخير ! لحظة لكن السيد يوجين ليس بشخص يمكن للآخرين رؤيته، لذلك من الطبيعي ألا يعلم أحد عن حالته. هل أصبح شبحين أم أنه لازال شبح واحد منقسم لقسمين؟ هل يتفعالان معـ..”
ظل ثلاثتنا نحدق في هارليك الذي لايزال مستمرًا بينما تدور عينه في المكان مع كل فكرة جديدة تخطر على باله.
“أسيستمر بهذه الطريقة؟” سأل أليف لأومئ مبتسمه “حتى يوقفه أحدهم، نعم”. أخرج يوجين صيحة يائسة قبل أن يمسك بكتف هارليك يهزه بقوة صارخًا “تــــوقف لــثوانٍ”.
اتسعت عين هارليك وقد توقف بالفعل، وعكس ما توقعت اتسعت ابتسامته وصاح بسعادة “مرحبًا بعودة سيد يوجين، يبدو أنك سالمًا معافي، يسعدني ذلك كثيرًا”. بدلت عيني بينهما باستغراب ليجيب يوجين سؤالي الذي لم يُطرح “لقد جعلته يعتاد الأمر، عندما أهز كتفه فهذا يعني أن يتوقف عن الكلام على الفور”.
ابتسامة الفخر على وجهه جعلتني أدرك أن الأحمق يظن أنه يدرب كلبًا لا طفل.
“يوجين بخير اذا، مع من كنتِ تتحدثين؟” التفت مجددًا لهارليك ثم لإليف أفكر أن كان من الجيد إخباره أم لا لكنني رفعت كتفي بلا مبالاة وقد أخبرته في النهاية.
“هناك شبح آخر يجول في الأرجاء يدعى إليف”.
تجاهلت سيل الأسئلة الذي بدأ ما إن تخط صدمته واتجهت لأول منشفة وقعت عيني عليها، وبعض الملابس من الخزانة، وقبل أن أغلق باب حمام الغرفة قلت لهارليك: “يوجين سعيد بالإجابه عن جميع أسئلتك، انظر هناك لوح مجسم على الطاولة في زاوية المكتب، استخدماه للتواصل”.
لم أترك لأحدهم فرصة الأعتراض وقد أغلقت الباب فورًا بينما صوت يوجين الذي صاح بإسمي بغضب كبير رسم ابتسامة مرتاحة على وجهي، صوت هارليك الذي ينادي يوجين موجهًا مئات الأسئلة أشبه بالموسيقى لأذني.
استمتعت بحمامي الصباحي بقدر ما أحتاج، حتى أن صوت هارليك واسئلته تلاشت وحدها ما إن غمست جسدي داخل الماء أكثر. لقد كان أسبوعًا مرهقًا بشكل غريب، والأسبوع القادم سيكون أكثر إرهاقًا حتمًا.
شعرت بجسدي يسترخي بشكل تام، جفنا عيني أصبحا أثقل، وإلقاء رأسي للخلف مستندًا على وسادة الرأس المثبتة على حوض الاستحمام كان كل ما اريد.
لم يدم شعوري بالماء الدافئ كثيرًا، إذا أخذت أشعر بدرجته تتغير بشكل سريع لدرجة أكثر برودة.
عقدت حاجباي في استغراب وتلمست مخرج الماء في الجدار لكنه كان مغلقًا. كيف تتغير حرارة الماء بهذه السرعة؟ بدأت أشعر بجسدي يتجمد وأخذت أرتجف بشكل لا إرادي.
احتضنت جسدي بينما أشعر بأسناني تصطك ببعضها، فتحت عيني بسرعة ولكن جسدي تجمد في مكانه ما أن رأيته، جالسًا على طرف الحوض بينما عينه السوداء تحدق بي، بروحي.
الخوف بدأ ينتشر بسرعة في جسدي كالحمى، ملامحه ساكنه هادئة ولكن عينيه كانت تمزق كل ذرة شجاعة أمتلكها. تلك الهالة! إنها تخنقني بشكل مرعب.
“ماذا؟ أظننتِ أنك تخلصت مني مع إغلاقكم لتلك البوابة؟” صوته كان يرسل برودة لجسدي أكثر من برودة الماء التي كانت أشبه بجليد مذاب.
أصابع يده تلمست الرخام البارد للحوض، وتحت لمساته كان الحوض بالكامل يتحول للون أسود قاتم “لا يمكنك الصمود جلنار روسيل، لا يمكنك هزيمتي، أقصى ما يمكنك الوصول له..” توقف وقد نهض واقفًا على قدميه متقدمًا نحو مقدمة الحوض.
“هو أسهل وأضعف ما يمكنني الوصول له” أنامله الباردة تلمست ذقني.
أردت التحرك، أردت الصراخ، أردت إخراج جسدي من بين المياة المتجمدة والتي تحولت للون أسود مقرف لكنني لم اتمكن من ذلك.
ليس لأنه منعني، بل لأنني لم استطع، لقد كنت خائفة لدرجة منعتني من الحركة أنش واحدًا بينما خرج ارتجاف جسدي عن السيطرة.
“سأقتلكم جميعًا، سأتركك لنهاية جلنار، سأدعك تشاهدين فرسانكم الأعزاء يُذبحون واحدًا تلو الآخر أمام عينيك، ستبقين أسيرة بينما تشاهدين النيران تُحيل عالمك بالكامل لرماد، أصدقائك، منزلك، عائلتك، جميعهم على قائمتي، أقسم أنني سأحجز لك أفضل مقعد لتشاهدي منه كل شيء حولك يُدمر”.
مع كل كلمة ينطق بها كانت أصابعه تقبض بشكل أقوى على فكي. لم أتمكن من الابتعاد بينما أشعر برؤيتي تصبح أكثر ضبابية وقد حجبتها الدموع.
وكأن مئات الأيادي امتدت من داخل الحوض وقد التفت حول جسدي تسحبه للأسفل، كنت اشبه بالعاجز، تمسكت بطرف الحوض بسرعة امنع جسدي من الإنسحاب للأسفل، لكن يده الممسكه بذقني دفعت بوجهي للأسفل داخل الماء ليغمرني تمامًا.
حاولت التمسك بأي شيء حتى أحرر نفسي من قبضته. لكن أنامله كانت تضغط بشدة على عظام وجهي بينما يدفعني للأسفل.
خائفة..
كنت ارتعد خوفًا أحاول التنفس بكل ما استطيع من قوة ولكن هذا زاد الأمر سوأً فقد فرغ الهواء من رئتي تراكًا الماء وحده يملأهما.
أريد لهذا أن يتوقف! أرجوك.
فليوقفه أحدكم!
أغلقت عيني بشدة أصلي وأصرخ بلا صوت أشعر بالدوار وبوعيي يتلاشى شيء فشيء.
في الثانية الأخيرة شعرت بكل شيء يختفي، الضغط الذي حاوط جسدي، اليد التي كادت تحطم وجهي، برودة الماء و الهواء من حولي.
اختفت جميعها في اللحظة التي فتحت عيني فيها قبل أن أتمسك بطرف الحوض بسرعه وأدفع جسدي للأعلى لاهثة طلبًا للهواء.
كنت ألتقط أنفاسي بصعوبة بينما أسعل بشدة، يدي مستقرة فوق صدري أشعر بقلبي يكاد ينفجر.
ابعدت خصلات شعري الملتصقه بوجهي بينما التفت بسرعة أبحث عنه في المكان. لكنه اختفى! الماء كانت طبيعيه، كل شيء عاد كما كان.
وكان الخوف هو الشيء الوحيد الذي لم يختفِ.
مسحت وجهي بينما أحاول التحكم في ارتجاف يدي، اسندت ظهري ضد الحوض محدقة بسقف الحمام ومازلت أحاول تنظيم أنفاسي.
لقد غفوت! كان هذا كل شيء!
ظللت أكرر لنفسي أنه مجرد حلم مزعج، متجاهلة حقيقة أن حلم صغير كان كفيل بدفع الخوف لأعماقي بشكل لم أشهده من قبل.
لذا كيف بحق الإله سأقاتل رجل كهذا؟
لم أعد أشعر بمزاج للراحة بعد الآن لذلك كان من المنطقي أن أنهي حمامي في دقائق. وقفت أمام المرآة بينما أستخدم عنصر الهواء الدافئ لتجفيف جسدي وشعري بسرعة بينما أحدق في انعكاسي.
أكره هذا.
الخوف الذي لازال أثره على وجههي، أكره التحديق فيه لذلك غسلت وجهي أكثر من مرة بالماء البارد أزيح أي أثر لذلك الحلم السخيف.
ألتقطت البنطال ذو اللون الأخضر الغامق والقصة المستقيمة الواسعة لأرتديه، أخذت القطعه العلوية، قميص أسود ذو رقبة عالية وبلا أكمام.
نظرت لوجهي لمرة أخيرة في المرأة قبل أن أخذ نفسًا قويًا وارسم ابتسامة صغيرة على وجهي واخرج للغرفة.
استقبلتني ابتسامة هارليك الواسعة الذي صاح فورًا “أخيـــــرًا” قهقهت واتجهت يدي لتبعثر شعره الأزرق “أعتذر لتركك تنتظر”.
“لما لم تأخذي اليوم كله في الد..” ارتفعت عيني ليوجين الذي كتف ذراعيه لكنه توقف في منتصف جملته وحدق بوجهي دون أي كلمة مما أثار استغرابي. تجاهلت الأمر وعلقت ساخرة: “قدم اعتراضًا للمحكمة إن لم يعجبك الامر”.
دحرج عينه وتمتم: “حقيرة”.
التقطت الجاكيت الزيتوني ذو القصة القصيرة من فوق فراشي وارتديه بسرعة، لاحظت الفراش الذي تم ترتيبة بشكل مضحك قليلًا مما دفعني لنظر لهارليك..
“هل أخبرك أحدهم أنك الألطف على الإطلاق؟” أشرقت تعابيره واتسعت ابتسامته “أنتِ أكثر من تخبريني بذلك” اردت بشدة تقبيل وجنتيه الحمراء لكنني تجنبت أحراجه والتقطت حذائي الأسود ذو الرقبه العالية، جلست فوق فراشي أرتديه بينما أستمع لهارليك الذي بدأ يتذمر لأنني أخفيت عليه أمر إليف.
“أين ذهب بالمناسبة؟” وجهت سؤالي ليوجين الذي ضحك فجأه مجيبًا: “يبدو أن المذياع كان فوق طاقته لذلك اعتذر بتهذيب وقال أنه سيتفقد الأكاديمية بسرعه وسيجدنا لاحقًا”. لم أستطع منع ضحكتي التي صدحت في الغرفة ليردد هارليك كلمة “ماذا؟” أكثر من خمسين مرة حتى يعرف محتوى محادثتي أنا ويوجين.
سبقنا هارليك للخارج وحديثه عن روعة الأكاديمية رغم تدريبها الشاق لم يتوقف ولم يهتم إن كنا نصغي أم لا. أغلقت باب غرفتي ومددت عضلات جسدي استعد لمتاعب اليوم.
“انتِ بخير؟” التفت نحو يوجين الذي سأل فجأه، تعبيره جاد وحاجباه معقودان بقلق. كنت أعلم أنه سيلاحظ مهما حاولت اخفاء الأمر، لذلك تجنبت الكذب وأومأت برأسي مجيبة بصوت منخفض “مرهقة بعض الشيء، لكن لا شيء خطير”.
ظل يحدق في وجهي بذات التعابير ولكنني أعطيته ابتسامة صغيرة والتفت لهارليك متجاهلة التنهيدة الثقيلة التي تسللت من بين شفتيه.
“إذًا، هل بدأ الآخرون تدريباتهم اليوم؟” قاطعت حديث هارليك الذي لم أتمكن من التركيز فيه بالكامل، همهم لثوانٍ قبل أن يجيب: “لا نتدرب جميعًا في الوقت ذاته، يتم تقسيمنا لقسمين فجميع المدربين غير متوفرين طيلة اليوم، في الواقع من بقي منا هنا سينهون تدريباتهم في غضون اربعه ايام تقريبًا و..” توقف والتفت نحوي يسير بشكل عكسي وأردف بحماس “لن تصدقي من أنهى تدريبه بالفعل في ثلاثه أيام!”.
انعقد حاجباي باستغراب، ثلاثة أيام؟ هذا رقم قياسي “أهو أغدراسيل؟ أم رومياس؟” قفز في رأسي أول اثنين شهدت على قدراتهم القتالية بنفسي لكنه حرك رأسه للجانبين واتسعت ابتسامته لعدم تمكني من التخمين “السيد أرتيانو، لقد أعلنت مدربته أنه أنهى تدريبه في نهاية اليوم الثالث.
“ذلك القزم؟!” صاح يوجين ولا يمكنني لومه، أعلم أنه عبقري لكن مقاتل؟
“أعلم أن الأمر غريب ولكن السيد أرتيانو جميع حركاته القتالية محسوبة تمامًا حتى تتناسب مع هيئته، إنه ذكي جدًا لدرجة مكنته من تعلم كل الفنون والتكنيكات التي أرادت مدربته تعليمها له” أخذ هارليك يشرح الأمر. في الواقع إن تذكرت ذكاء الرجل الحاد فمن الصعب عليك عدم تصديق الامر.
القتال بذكاء أفضل بكثير من القوة المجردة.
“وماذا عنك أنت؟” وجهت سؤالي لهارليك بينما أنتظر المصعد الذي تحرك وحده للأعلى ما إن وقفنا أمامه.
“يقع وقت تدريبي في الفترة المسائية، لذلك كنت أقضي صباحي بعد الركض إما في التجول بين أبنية الاكاديمية أو قبول تحديات الطلبة إذا ما عُرض علي واحد، ولكن مع مجيئك فقد اختلف الأمر، يمكنني قضاء الوقت كله معك”. ابتسمت لحماسته الكبيرة ولكنني توقف أمام أحد جُمله لأسأل: “تحديات الطلبة؟ ماذا تقصد؟”.
“مسموح لمستوى معين من الطلبة بطلب تحدي لقتال الفرسان في أي وقت، وبالطبع عليهم احترام رفضنا، يقول السيد أغدراسيل أن هذا النظام يساعدنا على فهم تنوع أسلوب القتال ضد الأجناس الأخرى وفي الوقت ذاته تنتفع الأكاديمية من الخبرة والسمعة التي سيخرج بها الطالب الذي تمكن من الصمود أمام أحد الفرسان، بالمناسة هل السيد الشبح إليف معنا؟”.
أتذكر الآن، تم إعلامنا سابقًا ببعض النازلات التي يفضل أن نخوضها ضد الطلبة هنا لكنني لم أتوقع أن تكون بهذه الطريقة، ظننتها ستكون ممنهجة أكثر.
دلفت للمصعد ليتحرك وحده دون الحاجة للضغط على أي زر.
“السيد إليف سبقنا للخارج” أجبت سؤاله قبل أن أسأل أنا “إذًا.. كيف تُبلي في هذه التحديات؟” أسند ظهره ضد حائط المصعد الزجاجي الشفاف، التوت شفتيه بعد رضى مجيبًا: “لست سيئًا فقد حصلت على ثماني طلبات مواجهة منذ مجيئي، وهو عدد كبير بالمناسبة، وأنا أعلم تمامًا أنهم يختارونني لحجمي وعمري الأصغر مقارنة بالبقية لكن لا يهمني الأمر، لقد خرجت بخمسة انتصارات وثلاث هزائم”.
“يبدو أنه يتطور حقًا” علق يوجين بينما ابتسمت بثناء مربته على رأسه “هذه نسبة ممتازة، أشعر بالحماس لمشاهدتك تقاتل” كتف ذارعيه ومازال عدم الرضى واضح على وجهه “الثلاث طلبة الذين خسرت أمامهم حاولت مجددًا إعادة القتال وقد وافق اثنين ورفض واحد..” سكت وظل يحدق بقدميه مما دفعني لحثه على الحديث “ثم؟”
زفر بضيق “هُزمت من كلاهما، خاصة ذلك الفتى النورثي، إنه عنيد جدًا، يقاتل وكأن حياته على المحك ولكنه يضع ابتسامة كبيرة مستفزة تظهر جميع صف أسنانه خلال القتال”. أشار لوجهه بينما يحاول تقليد ابتسامة خصمه والذي لم يكن من الصعب علي تخمين من يكون.
ضحكت لانزعاجه الواضح “لا تقسُ على نفسك هارليك، أتتذكر كم اخبرتني ان الأكاديمية مميزة بنظامها التعليمي، كما أنك تُقاتل ضد مستخدم عناصر بينما لا يمكنك حتى استخدام قدرتك على التضخم” أومأ بقوة وصاح “أشعر بالاختناق لهذه الفكرة”.
سار ثلاثتنا خلال الممر نحو ساحة المبنى الرئيسية، بدأت أصوات الأحاديث الجانبيه تتعالى وصوت قرع الأحذيه فوق الأرضية كان لا يتوقف.
“إلهي! لقد وضعنا قدمنا في المكان للتو! ما الخطب مع كل هذه النظرات؟” سخر يوجين وهو يلتفت من حوله، كان محقًا نوعًا ما، كانت الأحاديث تنخفض ما إن أمر بجانب أصحابها، والأعين تتبعنا بفضول واضح. حاولت نفض شعور عدم الارتياح متذكرة أنهم مجرد أطفال، لكنت فضولية بدوري إذا ما تبدلت الادوار.
“أغلبية الفرسان انتصروا في جميع قتالاتهم ضد الطلبة، السيد لافيان تعادل فقط مع اثنين، السيد أرتيانو كان يكسب نزالاته بعد عشر دقائق من بداية القتال وقد خاض إحدى عشر نزالًا انتصر فيهم جميعًا وبشكل ساخر لدرجة جعلت الطلبة تتجنب تقديم طلبات نزال ضده”. ضحك في النهاية ويمكنني تخيل وجه أرتيانو الساخر ونظرات الازدراء الذي يحدق بها في كل طالب خسر ضده.
“السيد تينر جام خسر في نزال واحد من أصل ست نزالات ضد ساحرة وتعادل في واحدة”. ارتفع حاجبي باستنكار “ظننت أن قوته ليست عادية” علق يوجين وكدت أومأ متفقه لكن هارليك فسر دون حاجتي لسؤال “لقد خسر لأنه شعر بأنه من الخاطئ القتال بقوة غاشمة ضد طفله صغيرة ولكن تلك الطفلة تحولت في ثوانٍ لمشعوذة مرعبة مستعده لقتل نفسها حتى تفوز في القتال، يشك بعضنا أنه تركها تفوز عمدًا”. همس في نهاية جملته وكأن أحدًا سيسمعه.
“أغدراسيل فاز في نزالاته الأربع كلها لم يرحم أي طالب فقد كان ينهي الأمر بشكل حاسم، بينما رومياس عُرض عليه نزالين وبعدما شاهد الطلبة قتاله امتنعوا جميعًا عن عرض نازلات ضده، أفزعتهم قوته دون حاجه حتى ليتحول لذئبه العملاق، كان من المضحك جدًا مشاهدة وجوههم بعد كل نزال، وحتى اليوم لم يُعرض عليه نزال آخر”.
أشعر بالكثير من الفخر.
ما إن خرجنا من المبنى شعرت بأشعه الشمس الدافئة تضرب وجهي لذلك توقفت وأخذت نفسًا قويًا أشعر فيه ببعض الانتعاش.
وقف هارليك أمامي قبل أن يخرج أصابعه ويبدأ في العد عليها “أخبرتك عن اختلاف الفترات التعليمية، ومن أنهى تدريبه ومن لم يفعل -وهو جميعنا عدى أرتيانو- وعن النزالات ضد الطلبة، وكم عدد كل واحد منهم، وكم عدد النزالات الفائزة و..”
أسند يوجين رأسه ضد كتفي متذمرًا: “لما عليه إعادة سرد كل شيء مرتين؟ إنه يرهقني بالفعل” منعت ابتسامتى وانتظرت بهدوء ان يفرغ من سرد افكاره “أوه، الشيء المهم هو السيد هنري سيكون مدربك الخاص، الجميع متحمسون كثيرًا لهذا الحدث”.
أملت رأسي محدقه به باستغراب “من السيد هنري؟” ارتفع حاجبيه وبدا سعيدًا بجهلي لنقطه أخرى مما سيسمح له بشرحها، كاد يفتح فمه لكني التفت بسرعة لصوت القادم من خلفي “ هنري كليسثينيس المساعد الأول لرئيس الحرس الملكي وأحد وأفضل من تحكم في عنصري الماء و الهواء على ارض الإلترانيوس”.
ابتسمت عندما وقعت عيني على إليف بينما ظل هارليك يحدق بيني وبين الفراغ أمامي “هل هو الشبح العجوز؟” همس لأومئ ضاحكه “لقد أخبرني لتو من يكون السيد هنري”. انعقد حاجبيه متمتمًا “أردت أنا إخبارك بهذا”.
“لقد تقابلنا من قبل..” تمتمت متذكرة ليومئ هارليك بسرعة ويجيب وكأنه يتسابق في الإجابه مع أشباح لا يراهم “لقد كان موجودًا منذ اليوم الأول، وقد تعرفتما بالفعل لكن يبدو أن مهمتك في أرض المتنكرين كانت مثيرة لدرجة أنستك من يكون”. أخر جملة كانت ممتلئة ببعض الحسد لكنه حاول التظاهر بعدم الاهتمام.
“لا تقلق، ينتظر كلانا مهمات أكثر إثارة”. اتسعت ابتسامته مجددًا مثيرة رضاي. في الواقع أنا أكثر من سعيدة أن هارليك لم يكن معنا. لقد كانت رحلة كارثية.
“عليكِ إخباري بكل ماحدث بالمناسبة” صاح وهو يلتف من حولي “هذا الصبي ممتلئ بالطاقة” علق إليف ولم أكن لأعترض.
“بكل تأكيد”. أجبت هارليك وأردفت: “في الواقع لدي الكثير لأقوم به اليوم خارج الأكاديميه قبل أن يبدأ تدريبي. أريد تفقد كل من كارولوس وآركون فقد اشتقت لهما كثيرًا” أتسعت عين كل من يوجين وهارليك وصاح كلهما معًا.
“لقد اشتقت لهذين الشقيين أيضًا، دعينا نذهب الآن، لست مقربًا لآركون لكن أحب قضاء الوقت مع كارولوس ..”.
“لقد تفقدتهما بعد مغادرتك بيوم، بدا أن كلاهما يفتقدانك حتى أن آركون قفز فو..”
بدلت أنظاري بينهما وقد تابع كل منهما الحديث دون توقف “أشعر ببعض الأسى لحالك” همس إليف وهو يراقبهما لأتنهد مبتسمة.
“الخلاصـــة..” قاطعت كلاهما ثم أردفت بعد سكوتهما: “ليس فقط كارولوس وآركون من يجب علي رؤيتهم، أنا في حاجة لمقابلة الأميرة شخصيًا. وأرتيانو، أريد مقابلته والتحدث معه و ...” كنت أعد المهام على أصابع يدي ولكنني ابتلعت أخر مهمه عندما التقطت هارليك بزاوية عيني.
أحب كم أن هذا الصبي منغمس في جميع الأحداث التي تحدث معي منذ البداية ولكن، لا أظن أن من الحكمة إقحامه في أي أمر يخص الإريبوس حاليًا، انا بالكاد استطيع التماسك، لا يمكنني تخيل مقدار الذنب او التشوش الذي قد يصيبه ما إن يقابل كاريان ويسمع بإذنه كيف هي حال الجنود الذي قاتلهم في كل معركة.
حمدت الإله لعدم انتباهه لانقطاعي لأنه ربت على ذراعي بمواساة وقال: “حياة القائد صعبة حقًا ولكن..” ابتسم بشكل يظهر أسنانه وقال: “سأكون معكِ في كل خطوة اليوم لذلك لن تكوني وحد..” توقف لثوانٍ مراجعًأ جملته وتمتم لنفسه: “لا أظن أن هناك وقت تكونين فيه وحدك، كان السيد يوجين يتبعك والآن شبح آخر عجوز! لذلك أنا مرافق إضافي ربما؟”.
“عجوز!” كدت أضحك لنبرة الاستنكار في صوت إليف قبل أن يهمس لنفسه “هل أبدو بهذا العمر؟”.
في الواقع أردت منع هارليك من مرافقتي في كل مكان اليوم خاصة أنني في حاجة ماسة لمقابلة كل من كاريان ونريليا، ولكن لا بأس باصطحابه وإعادته قبل غروب الشمس.. جزء مني يفتقد وجوده حقًا لذلك ..
جذبت كتفه نحوي وانحنيت بخفة نحوه “لا تقلق كثيرًا، سواء شبحين أو عشرة، لازلت مرافقي المفضل، لذلك جهز نفسك فسترافقني اليوم، أنا في حاجة لشخص بشجاعتك ليرافقني خلال يوم مرهق كهذا”. لم تكن كذبه! هارليك يملك لسانًا وعقلًا شجاعًا ونقيًا جدًا لدرجة تدفع الأدرينالاين في جسدك.
“أرجوكِ قولي أنك تمزحين؟” توسل يوجين لكنني تجاهلته ببساطة.
حدق في وجهي لثوانٍ وكان من السهل قراءة أفكاره، منذ دخوله لغرفتي كان يعلم أنني سأحاول تركه خلفي بعد انشغالي، وقد لاحت الفكرة في رأسي ولكنني لن أكون أفضل من الشباب الذين جلست في وجههم يومًا ما وبختهم لإهمال هارليك وتركه خارج خططهم.
ارتفع حاجباي بدهشة عندما لاحظت التماع عينيه الذي التفت بسرعه للجهة الأخرى لإخفاءه، مسح وجهه بذراعه قبل أن يحاول وضع ابتسامته مجددًا رغم ارتجاف شفتيه الواضح وقال: “ما كنت لأرفض”.
إلهي أحيانًا أنسى أنه مجرد طفل صغير.
“تبًا، الآن أشعر أيضًا بالرغبه في اصطحابه معنا” تذمر يوجين لأضحك وأخبر هارليك فورًا في رغبه يوجين أيضًا لانضمامه مما أثار حماسته أكثر مما توقعت وصاح قائلًا: “أنتظراني هنا، سأجلب حقيبة ظهري وآتي فورًا”.
لم ينتظر إجابة أحدنا لأنه انطلق فورًا نحو مدخل المبنى راكضًا بينما يحدق ثلاثتنا بظهره.
“إنه فارس مميز حقًا” علق إليف وقد ضاقت عينه السوداء جراء ابتسامته “أكره وجوده في هذه الحرب، أنه يستحق حياة أكثر طبيعية” علقت ومازالت عيني معلقة بباب المبنى.
“لا يبدو لي ناقمًا، إنها قصته! لن تكون سهلة لكنها ستكون مميزة جدًا”.
ربما إليف محق ولكن، لازلت أشعر بالكثير من الضيق كلما فكرت أن رأسه يمتلئ بنفس الأفكار التي ترواد باقي الفريق.
“أتظنني أحمــــــقًا؟”.
الصوت العالي دفعني للالتفات حولي، كان بعيدًا نوعًا ما لكنه عالٍ كفاية لأسمعه. صوت ارتطام شيء ما تلى ذلك الصياح مما دفعني لنظر نحو يوجين أتأكد أنه سمع الشيء ذاته وكنت محقه فنفس تعابير الاستغراب كانت مرسومة على وجهه.
التفت من حول المبنى أحاول إيجاد صاحب الصوت ولم أكن في حاجة للابتعاد كثيرًا، على بعد خطوات خلف المبنى السكني كان بإمكاني التقاط ثلاثة أفراد واقفون وكلما تقدمت كلما زاد عدد الطلبة الواقفين الذي بإمكان عيني التقاطهم.
وقفت ما إن اتضح المشهد، مجموعة كاملة تلتف حول صبي واحد قصير القامة لم يكن من الصعب علي التعرف عليه. يقابله فتى أطول منه قامة، تجهمت تعابير وجهه وكان الإشمئزاز واضحًا جدًا عليه.
انتقلت عيني لأثر اليد الحمراء فوق وجنة الصبي جايدن، تعابير وجهه جامدة لم تهتز وعينه تحدق بصرامة بالصبي الواقف أمامه.
“ضع عينيك أرضًا عندما تحادثني أيها الوضيع”. نكز رأسه بقوة مثيرًا ضحكات من حوله “لم أقم بأي خطأ، لقد طالبت بما هو حقي”. هذه المرة تحدث جايدن ولم يبدو عليه التأثر من الإهانات الموجهة له وهذا ما أثار حنق الآخر..
التقط مقدمة قميصة وقد جذبه بقوة حتى أصبحت اقدام جايدن بالكاد تلامس الأرض “ألا يفهم رأسك السميك؟ لقد أخبرتك ألا تطالب بالإنضمام لفريق السيد زاي، موحل قذر مثلك لا يملك الحق في أخذ مكان النبلاء أمثالنا في هذا الفريق، أن لم تحاول سحب طلب انضمامك اليوم، سأجعلك تندم على اليوم الذي قررت فيه الإنضمام للأكاديمية”.
كانت أظافري قد بدأت تترك أثرًا في راحة يدي، ارتجف فكي بغضب بينما أراقب المشهد، وفجأه عادت ذاكرتي لفترة كنت قد نسيتنا تمامًا.
حياتي السابقة، فريونكا وفريقها، كل شخص حاول التنمر علي، ابتلاعي لكل الإهانات وتمريري لها طيلة أعوام حتى أتمكن فقط من العيش بهدوء. أكنت دائمًا أشعر بهذا الغضب؟
“أنا أملك الحق في التقديم على أي نشاط في هذه الأكاديمية مثلك تمامًا نامياك، أنا لا أختلف عنك أو عن أي طالب آخـ..” قوطِعت جملته جراء دفع الفتى لجسده ليصطدم بالجدار خلفه “أنا وأنت لن نتساوى أبدًا، الفرق بيننا كالفرق بين السماء والأرض أيها اللعين..جميعنا-” أشار لمجموعته من حوله وأردف: “مختلفون عنك، أتعلم ما الفرق بيننا؟”.
أخذ خطوة وانحنى مقتربًا منه “إن قررت مسح وجهك بتراب هذه الأرض الآن، فكل ما سيحدث هو أن الإدراة ستوجه لي إنذارًا، وسينظرون لك بطرف أعينهم قائلين ’تصرف بطريقة أفضل’ وفي أسوأ الأحاول، سيتدخل والدي ولن أتضرر قيد أُنملة ولكن أنت..” ارتفعت إحدى زوايا شفتيه باستخفاف “ألا تعلم لماذا مازالت مصنفًا ضمن الطبقه الفضية رغم كل مهاراتك وانجازاتك و.. مجهوداتك؟” نصص الكلمة الأخيرة بإصبعيه ساخرًا “إنه نفس السبب الذي سيجعل الإدارة تركلك خارج الأكاديمية في اللحظة التي تقرر فيها لمس شعرة واحدة مني.. لذلك أعرف مكانتك جيدًا، فحتى والدك الذي تفخر به كثيرًا لن يكون قادرًا على فعل شيء لك..”
كان يمكنني رؤية قبضته التي جمعها بجانبه، تمالكه أعصابه بسهولة، وأرتجاف شفتيه بغضب وفي الواقع لم يكن هو الوحيد الغاضب هنا..
“في الواقع، لقد فعل والده أكثر وأهم مما تمكن والدك من فعله”. قررت مقاطعة هذا المشهد المبتذل والذي لن يتغير مهما تبدلت الأماكن والأزمنة.
التفت الصبية جميعهم نحوي وكان يمكنني رؤية ابتسامة يوجين الواسعة من مكاني حتى دون الحاجة للنظر نحوه.
اتساع أعينهم ما إن وقعت علي كان كفيل بإخباري بإن كل واحد منهم يمتلك فكرة عمن أكون لذلك تقدمت نحوهم خاصة نحو ذلك الفتى الذي بإمكاني بسهولة اشتمام رائحة خيلاء النبلاء تفوح منه.
تراجع خطوة للخلف وكاد يفتح فمه لكن النظرة الجامدة على وجهي كانت كافية لجعله يختنق بكلماته.
“لقد بذل والده مجهودًا رائعًا في تعليمه معنى الاحترام والمروءه، علمه كيف يكون محاربًا لا أحمقًا يتبجح بمكانته، وهو ما أظنه شيء لم يفشل والدك في فعله، لأن لم يحاول فعله من الأساس”. عينه التي كانت معلقة بوجهي اتجهت للأرض وقد غادره ذلك الزهو الفارغ وارتجف جسده ربما غضبًا.
“من أي عائلة أنت؟” سألت لينظر ببعض الفخر بينما يقول: “عائلة دول النبيلة”. يعلم الرب أنني حاولت منع نفسي من الضحك ومحو أي أثر لابتسامة على وجهي، ولكن صوت ضحكة يوجين الذي صدح في المكان كان يجعل الامر أكثر صعوبة واستحالة..
التف وجهي للجهة الأخرى أحاول بصعوبة كتم ضحكتي وهو الشيء الذي كان من الصعب ألا يلاحظه الصبي ومجموعته مما أسقط تعبير الفخر عن وجهه فورًا.
اخذت نفسًا لتحكم في نفسي قبل أن التفت نحوه متمته: “ما كان عليك قولها بكل هذا الفخر إن كنت تنتمي لدول في النهاية”. طغت الحمرة وجهه في ذات الدقيقة وأشاح بأنظاره بعيدًا عني “تعلم أنه من السهل على أي فرد التقليل منك أو من عائلتك، يمكنني إيذاقك ذات الكأس الآن.. ولكنني لن أفعل”.
يوجين الذي أخيرًا تمالك نفسه سخر مني قائلًا: “لكنك سخرت منه بالفعل”.
“عائلتك، لقبك، والدك، كلها لا تجعل منك شخصًا، في النهاية كلها أمور ليست ملكًا لك، إن أزحتها جميعًا عن الصورة أخبرني من تكون؟” تقدمت نحوه أكثر أنظر لوجهه الموجه أرضًا وقد غرز أسنانه في شفتيه “ستصبح مجردًا أحمق لا يملك ما يتباهَ به، لا تملك مبدئًا ولا شخصية تخصك وحدك لذلك.. تعلم كيف تتواضع قبل أن تُجبر على ذلك”.
نظرت لجايدن الذي حدق في وجهي وقد فغر فاهه قبل أن التفت نحو الصبي مضيفة في النهاية “وإن حاولت مجددًا رفع يدك أو حتى محاولة التبجح بعائلتك أمام جايدن أو أي طالب آخر، فلا تتوقع رؤية والده ينتظرك في غرفة الإدارة..”
انحنيت حتى أوجه طوله وأنظر لتعبيرة وجهه عن قرب وقد أكفهر وجهي بشدة وأردفت وقد خرج كل حرف من بين أسناني بتهديد:
“توقع رؤيتي أنا”.
ظللت أحدق بعينه الرمادية التي لم يتجرأ ويرفعها لنظر نحوي إلا لثوانٍ كانت كفيلة بإيضاح رسالتي.
“كلامي موجه لكل واحد منكم أيها الأشقياء” وجهت بنبرة أعلى جملتي للبقية ليومئ بعضهم بسرعة ويتجنب الآخرون النظر نحوي، صرفتهم ليلتفتوا جميعًا وكأنه الخلاص ويركضوا بعيدًا دون النظر مرة أخرى نحو جايدن.
زفرت بتعب قبل أن التفت نحوه بدوري، ابتلع واشاح عينه لثانية قبل أن ينظر نحوي بجدية كبيرة ويتحدث أخيرًا: “أنا شاكرًا حقًا لدفاعك عني لا.. أنا أشعر بالإطراء الكبير ولكن..” ابتلع مجددًا ينظف حلقه ويمكنني رؤية تردده ولكنه حسم أمره وقال: “يمكنني الدفاع عن نفسي سيدة جلنار، ولا أقصد التقليل من احترامك بأي شكل من الأشكال”.
حدقت في وجهه وهيئته بصمت لثوانٍ قبل أن أجيبه: “لا يمكنك ذلك”. ارتفع حاجبيه بسرعة وباستنكار حاول اخفاءه “الأشخاص الذي يملكون أشياء يريدون الحفاظ عليها لا يمكنهم دائمًا الدفاع عن أنفسهم حتى وإن أرادوا ذلك، حاجتك لحماية مكانك في هذا المكان، تمنعك من الدفاع عن نفسك. الصبي الذي قاتلته عند مجيئي هنا للمرة الاولى قادر على إذاقه ذلك الأحمق الهزيل الويلين دون مجهود ولكنك لم تفعل ذلك”.
أقحمت يدي داخل جيبي ورسمت ابتسامة مشجعة على وجهي “لذلك عمل جيد جايدن، لقد حاظفت على هدوءك بشكل مذهل لحماية ما هو أهم، أنت حقًا صبي صلب”.
اتسعت عينه لثوانٍ قبل أن يأخذ نفسًا عميقًا وكأنه كان يختنق لثوانٍ “شكرًا لك”. الآن هذه هي الجملة المطلوبة.
“إذًا.. كم فارس عرضت عليه مبارزتك حتى الآن؟” سألت ممازحة حتى أبدد الإحراج عنه وقد نجحت لأنه ضحك مجيبًا: “جميعهم، بعضهم أكثر من مرة”. ضحكت هذه المرة فلم تُفاجئني إجابته بالمرة..
“وكم مرة فاز؟” سأل يوجين لأكرر السؤال عليه. رفع أصبعين “فزت في اثنين وتعادلت في اثنين حتى الآن”. حسنًا هذا مثيرًا للدهشة والاهتمام معًا.. هذا الصبي قوي حقًا.
“إنه لا يتوقف عن التبجح بذلك في كل مرة”. التفت جميعنا نحو صوت هارليك الذي انضم لنا أخيرًا وهو يعدل حقيبته فوق ظهره.
تبدلت تعابير الانزعاج عن وجهه ما إن نظر لي والتفت يريني حقيبة ظهره الخضراء “لقد طلبت من السيدة مونيكا صنع واحدة لي كخاصتك”. إلهي إنه يزداد لطافة في كل مرة، لا استطيع مقاومة الرغبه في عض وجنتيه واحتضانه كل مرة.
“يمكنني إعادة النزال مجددًا إذا ما أردت هارليك” ضحك جايدن مسببًا تبدل تعبير هارليك مجددًا للعبوس “أنت فقط تريد زيادة أنتصاراتك” صاح لتتعالى ضحكات جايدن.
“لما يبدو الامر وكأنني نجالس بعض الأطفال؟”. علق يوجين وهو يبدل أنظاره بينهما “ربما لأنهما طفلان بالفعل” أجاب إليف الذي كان يراقب لوقت طويل بهدوء، لقد نسيت وجوده حتى، هذا الشبح مخيف فعلًا.
“بالحديث عن هذا الامر..” جذب انتباهي جايدن “سيدة جلنار، أتقبلين طلب مبارزتي؟” لماذا لست متفاجئه؟
“أنت مدمن يارجل” علق هارليك ووافقه يوجين فورًا.
“لما لا نؤجل هذا العرض قليلًا؟ مازلت أملك الكثير من الامور لحلها هنا قبل أن أبدأ تدريبي الفعلي لذلك.. جرب بقية الفرسان وأعدك..سأكون أنا التالية على القائمة”. لم يتمكن من إخفاء خيبة الأمل على وجهه لكنه محاها بسرعة ووضع تعبيرًا أكثر جديه وقال بإصرار “سأنتظرك إذًا”. أومأت باستحسان ولوحت له مودعه بينما شكرني للمرة الأخيرة وركض مبتعدًا حتى يلحق بموعد درسه القادم.
الابتسامة على وجهي سقطت ما إن اختفى عن مرمى نظري وزفرت بضيق “إلهي كم أكره هذه المملكة أحيانًا”.
نظر نحوي البقية وهذه المرة تدخل إليف “أهي سيئة لهذا الحد؟” أشرت حيث كان يقف جايدن منذ دقيقة هاتفه بحنق “ألم تشهد ما حدث منذ قليل؟ مبادئ هذه المملكة الفاسدة متأصلة حتى في مجموعة من الأطفال، ألا يبدو الأمر غريبًا أن يكون هذا الفتى هو الوحيد في الأكاديمية كلها الذي ينتمي لسكان الحدود؟ ويمكننا بكل وضوح رؤية أن هذه ليست أول مرة يتعرض فيها لأمر كهذه ومع ذلك..”
ضغطت أسناني ضد بعضها بسخط “الأمر ذاته خارج أسوار هذا المكان، لا أظن أن بلاء هذا المكان يكمن في الإريبوس، إنه نظام حقير تم وضعه والاستسلام له، كيف يمكن لمجموعة كالنبلاء ان تملك تحكمًا يوازي تحكم العائلة الملكية؟”.
“الأمور أكثر تعقيدًا ممـ..” قاطعته وقد طفح بي الكيل “لا تبدأ بإخباري هراء المنطقة الرمادية، لنعترف أن بعض الامور عليها أن تبقى أبيض وأسود سيدي، أيمكنك الوقوف أمام هذا الصبي المجتهد وإقناعه بذات الحديث عديم الفائدة؟ أتعلم ما يعنيه أن تعاني كفارس في القتال أمام صبي صغير؟”
أشرت بيدي حيث تحرك جايدن وأردفت بعصبية “هذا يعني أنك تقف أمام عبقري، عبقري لا ينتمي حتى لطبقة النخبه، إنه الوحيد الذي تمكن من الفوز على الفرسان خلال هذه الفترة ومع ذلك، لا أحد يعطي لعنة ولكن إن كان نبيلًا لُشيدت تماثيل شرف بإسمه، لذلك لا تقل لي أن هذه المملكة تمتلك ملكًا عادلًا بينما يحكمها الفوضى”.
حاولت التقاط أنفاسي عندما أدركت أنظارهم الصامته نحوي، وبعد سكوت دام لثوانٍ كسره تنهيدة إليف “ربما أنتِ محقة! ربما كان الرجل الذي يحكمهم ليس إلأ أرعن يتظاهر بالحكمة ولكن..” رفع عينيه ينظر نحوي وأضاف “أنا على يقين أنه يكمن محبه خالصه لجميع شعبه”.
ضحكة صغيرة فرت من بين شفتي، قبل أن أمسح وجهي أحاول التحكم قليلًا فيما يخرج من فمي فالرجل.. أو الشبح غير مذنبًا في وضع كهذا.
تحركت في نية التوجه لبمنى التدريبات بينما يسير معي البقية وأولهم هارليك الذي كان يراقب الوضع بصمت وصبر غريب لطفل في عمره، مدرك تمامًا أن هناك طرفان آخران في هذا النقاش لا يمكنه سماعهم.
“أبدى لك هذا الصبي مهتمًا بحب ملكه؟” هذه المرة كان دور يوجين في الحديث، شعرت ببعض الراحة عندما أدركت فهمه الواضح لوجهة نظري من جملة واحدة.
“أيبدو لك أي أحد هنا مهتمًا بحب هذا الملك؟” أتبع سؤاله بواحد آخر هازًا رأسه ببعض الأسى.
صمت إليف الذي جمع كفي يده خلف ظهره يسير بهدوء معنا كان مشجعًا لي لإيضاح وجهة نظري:
“الحب الذي لا يُتبع بأفعال لا قيمة له، على الأقل في حالات كهذه سيد إليف، هل حمى هذا الحب جايدن منذ قليـ.. لا هل حماه على الإطلاق ضد كل التميز الذي يتعرض له في الأكاديمية؟ ماذا سأفعل بمشاعر كالحب إن لم يكن صاحبها ذو يد عليا وبالرغم من ذلك لم يستطع توفير أبسط معاني العدل بين من شعبه؟”.
كان من السهل التحدث مع الشبحين في وجود هارليك، على الأقل لن أبدو كمجنونة تحدث نفسها بصوت مرتفع ولكنني تفاجئت عندما تدخل فجأه بدوره في الحديث..
“لا أفهم تمامًا جميع زوايا الحديث ولكن، على حسب معرفتي فملك الإلترانيوس كان يعاني حتى أخر أيامه بسبب تعسف النبلاء ضده، أظن أنه من المهم جدًا توفير العدل لشعب ولكن إن كان ثمن العدل حربًا أهلية قد تهدد أمن سكان الحدود، هل سيكون قرارًا سهلًا؟”.
لم أكن في حاجة للرد لأن يوجين أجاب بسخريته الصريحة والمعتادة “أرأيت حال سكان الحدود؟ أيبدون لك كأشخاص يُمانعون الموت في سبيل توفير حياة آمنة لأنفسهم؟” نظرات هارليك التي ظلت تنظر نحوي ذكرتني بعدم استطاعته لسماع يوجين لذلك شرحت بشكل أقل سخرية وجهة نظر يوجين له.
“ومع ذلك، إن رأيت أحدهم ينوي إلقاء نفسه بين ألسنة النيران، أكنتِ ستقفين مشاهدة؟”.
نظرت نحو إليف ما إن توقفت أمام مدخل مبنى التدريب وأجبت “إن كانت هذه رغبته لحماية غايته وحقه، ربما لألقيت نفسي معه”.
لم يجب.
لكن النظرة التي رمقني بها كانت كفيلة بإجابتي...
الحديث أسهل من الفعل.
ولكنني على أي حال تمسكت بموقفي والتفت نحو مدخل المبنى الضخم، الهواء البارد كان لطيفًا ما إن تضع قدمك في المكان، يذكرني بعض الشيء بالمركز التجاري خلال فصل الصيف.
“سيشعر السيد هنري بخيبة امل شديده عندما بعرف انك ستتجنبين التدريب اليوم” نظرت لهارليك بطرف عيني باستغراب..
“ولما؟”.
“لقد كان شديد الحماسة منذ اليوم الاول، ينتظر الوقت الذي سيبدأ تدريبك معه، بدا وجهه خائبًا عندما اضطررتم للذهاب من اجل مهمة مملكة المتنكرين وكلما اقترب يوم عودتك عادت الطاقة والحماسة تظهر على وجهه”.
حسنًا، لن أهرب من المكان، سأبدأ غدا على أية حال لذلك، يوم إضافي لن يؤثر أو هذا ما ظننته.
حتى تقابلت وجهًا لوجه مع المدعو هنري أخيرًا بينما يخرج من ساحة التدريب الخارجية.. التمعت عينه الزرقاء القاتمة واتسعت بشكل طفيف ما إن وقعت علي. هرول بسرعة في اتجاهي قبل أن يقف أمامي باستقامة عسكرية صريحة.
“رئيسة الفر..” توقف قليلًا وكأنه يراجع نفسه قبل أن يصحح “أعني سيدة جلنار، يسعدني كثيرًا عودتك سالمة.. وبقية الفرسان بالطبع” وضعت يدي في كف يده الممتده وبادلته ابتسامة صغيرة “يسعدني مقابلتك مجددًا سيد هنري”.
ظلت يده محتجزه كف يدي بينما يهزها بشغف مبالغ قائلًا: “لا يمكنني شرح كم أشعر بالحماس والترقب لبدأ هذا التدريب معك سيدة جلنار، أن أشهد بعيني على قوة ابنة التوبازيوس لهو فخر لا يمكن وصفه بالكلمات، جندي مثلي ربما ليس كفؤ كفاية ليشرف على تدريبة شخص مثلك ولكنني أعدك ببذل ما في وسعي”.
حسنًا، الآن أفهم تأكيد هارليك على كلمة ’حماس’ في كل جمله يقولها عن هذا الرجل، تخيب أمله سيكون مؤلمًا جدًا.
“أنا أيضًا أشعر بالحماس لتعلم من رجل مثلك سيد هنري، لذلك اعتنِ بي” حاولت مجاراة طاقته بينما أشعر بذراعي قد بدأت تتخدر بين يده.
“إذًا، يمكننا البدأ اليوم؟ لقد وضعت جدولًا قد يبدو مزدحمًا لكنه ذو فائدة كبيرة” أشعر بالأسف عليه “في الواقع سيد هنري، ربما يمكننا تجنب التدريب اليوم، فعلي تبليغ أخر مهمة والاعتناء ببعض الأمور الأخرى خلال هذا اليوم..” الابتسامة والتعبير المنتعشة التي سقطت عن وجهه بسرعة مفاجئة دفعتني للقول بسرعة: “لكن منذ الغد، يمكنني إعطاءك وعدًا أنني سأبدأ بالانتظام في التدريب وتنفيذ كل خطة وضعتها في الجدول”.
حاول بسرعة تدراك تعبيره لكنه تنهد مبتسمًا باستسلام “لا يمكنني الشكوى إذًا” تحولت ملامحة لواحدة أكثر صرامة قائلًا: “لكن ما إن نبدأ التدريب، لا مخرج لك سيدة جلنار”. لما أشعر أن هذا الرجل يملك شخصية أخرى كاملة عندما يتعلق الامر بالقتال والتدريب؟ مهووس آخر؟
في النهاية ما كان مني إلا الموافقة وتخطيه نحو ساحة التدريب لمقابلة البقية قبل خروجي.
في اللحظة التي خطت قدمي فيها داخل الساحة الضخمة، تسببت قطعه صخرية ذات نهاية مدببة بضرب جسدي بالهواء بسبب اندفاعها القوي من جانبي لتنغرز بشكل قوي داخل الجدار الأسمنتي للمكان.
“لا يمكنني التسامح مع وجود شخص وقح مثلك داخل هذه الاكاديمية”. أغمضت عيني في اللحظة التي تعرفت فيها على ذات النبرة المتعجرفة والمكررة للمرة الثانية اليوم.
أغلقت عيني بتعب وقد دلكت ما بينهما أحاول التخلص من الصداع الذي بدأ ينغز مقدمة رأسي.
“نبيل آخر؟” سؤال يوجين تبعه صرخة الرجل الواقف في وجه السيد هيلبارت “إن علمت أمام من تقف لما تجرأت حتى النظر في عيني”. نظرت ليوجين الذي بادلني ذات النظرات قبل إن يدحرج كلانا عينه متأكدًا من إجابة السؤال الآن.
“هل سيصبح التعامل مع تعجرفهم أمر مسلم به يوميًا خلال إقامتي هنا؟” تذمرت أرمي رأسي للخلف بتعب.
“الأكاديمية كلها لا تضم سوى النخبة من جميع الممالك لا الإلترانيوس فقط لذا... أظن أن هذا السلوك هو الطبيعي هنا” أجاب هارليك محركًا رأسه للجانبين بأسى لحالي “سيكون أسبوعًا طويلًا”.
تمتمت محدقة بالرجلين الواقفين وجهًا لوجه. الأمر الجيد أن السيد هيلبارت لزال محافظًا بشكل يثير الدهشة على هدوءه وثبات تعابيرة أمام الرجل متوسط القامة أمامه.
“سيد لوسيوس جلين، لقد أخبرتك سابقًا وسأعيدها للمرة الثالثة، كلانا عبدٌ مأمور، إن كنت تملك شكوى ربما عليك أخذها للشخص المسؤول عن وجودي هنا” أردت حقًا التصفيق بكامل قوتي لثبات الرجل الإنفعالي، ربما علي تعلم بعض الدروس منه حقًا!
“أنت، والشخص المسؤول عن وجودك في هذه الاكاديمية النبيلة، لا تملكان من الامر شيئًا، خروجكم من هنا مسألة سأحرص عليها بنفسي” عيني تعلقت بيده التي بدأت تتحول لكتلة صخرية أقرر متى علي التدخل بالضبط.
“أنعت الأكاديمية للتو بالأكاديمية النبيلة؟” سؤال يوجين الأستنكاري والمثير للسخرية كان في مكانه، لما تبدو كل جملة تخرج من أفواههم مبتذلة أكثر فأكثر؟
“دعني أوضح أمرًا حتى نختصر هذا الحديث، كلانا نعلم أنك إن استجمعت قوتك كاملة في هذه اللحظة ما استطعت أن تحركني خطوة عن مكاني الآن، فقد سبق وحاولت منذ أعوام مضت وكلانا يعلم النتيجة..” ابتسامة مستفزة وهادئة أرتسمت على وجه السيد هيلبارت قبل أن يردف: “لذلك صوتك الآن أعلى من أسوار هذه الاكاديمية، لأن هذا أقوى مافي جعبتك في هذه اللحظة، لذلك حفاظًا على ماء وجهك امام طلابك، أنصحك بأخذ شكوتك لشخص المسؤول”.
يده جذبت مقدمة قميص السيد هيلبارت وقد كان بإمكاني رؤية أحد عروق رأسه يكاد ينفجر غضبًا “أتظن خسارتي ذلك اليوم كانت بسبب قوتك؟ لقد تساهلت معك وقتها، تساهلت كثيرًا لأنك رجل لا تملك ما تدافع به عن نفسك ولكنني لن أتسامح بعد الآن مع شخص يظن أن بإمكانه إهانة العائلات النبيلة في هذه المملكة ثم يضع قدمه داخل هذه الاكاديمية”.
“اجعلهم اثنين إذًا”.
التفت أعيننا جميعًا نحو الصوت القوي القادم من الجهة الأخرى من الساحة. الابتسامة الساخرة والمستمتعة كانت محفورة على وجهه بينما يتقدم بثقة نحو المعلم الغاضب ويمكنني بسهولة ملاحظته رغبته الضخمة في افتعال قتال حتى يتمكن من سحب فأسه.
“نشاطي المفضل هو إهانة النبلاء في كل فرصة متاحة لذلك، تقدم أيها العجوز، أرني عدم تسامحك المخيف معي”.
يبدو أن أحدهم أستيقظ يشعر بالحماس اليوم! من خبرتي كدمية لَكمٍ سابقة أنا على يقين أن أتريوس سيتعامل مع هذا الرجل كتحمية قبل بدأ التدريب.
“أظن ان عليك العمل أكثر على هذه الابتسامة التلقائية التي تظهر على وجهك أيتها الصغيرة” سقطت تعابير وجهي لهمس إليف القريب من أذني وحاولت تنظيف حلقي بينما أشعر بوجنتاي أكثر سخونه.
“يبدو أنه صباح مشتعل!”. عيني التقطت الشعر الأصهب الذي تقدم من خلفي لتقف يميني. انعقد حاجبيها واحتضنت ذارعها بسرعة متمتة “هذا غير مريح”. عيني التقطت يوجين الذي قفز من مكانه وتعبير عدم الراحة مرسوم على وجهه.
“لقد وقفتي حيث كان يوجين” بررت مميلة رأسي نحوها، ارتفع حاجبيها وتمتمت “الشبح!” التفت تنظر نحوي متسائلة “لقد نسيت وجهه، أهو وسيم؟”. انعقد حاجبي جراء السؤال الغريب قبل أن أنظر تلقائيًا نحو يوجين أحدق في وجهه.. لم ألحظ من قبل لكنه وسيم نوعًا ما.
“إنه كذلك تقريبًا” تزامنًا مع إجابتي ارتسمت ابتسامة لعوبة على وجهها ودون النظر حيث يوجين قالت بنبرة غزل واضحة “مرحبًا يوجين!”.
“هل تغزلت بك للتو دون حتى رؤيتك؟” سأل إليف يوجين الذي ظل يحدق بثونار ببلاهة “يارجل، إنها تخيفني كثيرًا في بعض الأحيان، بينما من المفترض أنني شبح”.
“هل سننتظر نشوب شجار؟” سؤال هارليك أعاد انتباهي للرجل الذي يكاد يفجر الأرضية هذه المرة في وجه أتريوس الذي وقف بدوره هناك مع ابتسامة أقل ما يُقال عنها مثيرة للأعصاب ولكن بنظرات ممتلأه برغبة قتل صريحة.
“أعلي التدخل؟” تساءلت أشعر برغبة في تركهم والإلتفات خروجًا من المكان..
“لا، الحل الأفضل هو تركهم والرهان على الفائز من بينهم”. لنتحدث بصراحة، إن كانت ثونار تظن أن تركهم فكرة جيدة فمن الواضح أن علي التدخل فورًا.
لذلك قبل أن تتحرك يد أتريوس نحو فأسه جمعت كل ذرة هدوء وتحكم قد أستطيع تملكها على أعصابي وتقدمت نحوهم مصفقة لجذب انتباههم بسرعة “أيها السادة”. تحركت أنظارهم نحوي في ذات اللحظة لأرسم ابتسامة بسيطة على وجهي وفكرة واحدة تدور في رأسي..
أنتِ أوكتيفيان.
“أظن أن سوء فهم قد نشأ هنا، لضيق الوقت ربما لم تتمكن مديرة هذه الأكاديمية من إبلاغ معلميها ولكن..” وقفت أمام فرد جلين هذا أحاول بصعوبة تجاهل فكرة لأي عائلة ينتمي وفي ذات الوقت تجاهل يوجين الواقف بجواري بأكبر ابتسامة ساخرة على وجهه.
“السيد آرنالدو هيلبارت هنا لأسباب تعليمية بحته، لقد ضمنت بنفسي كقائدة الفرسان إخطار كل من مديرة الاكاديمية و جلالـ..” علقت الكلمات داخل حلقي عندما خرجت ضحكة قصيرة وساخرة منه تاركة أحد زوايا شفتيه مرتفعه.
كان بإمكاني الشعور بأحد العروق في جبهتي بدأ بالفعل بالنبض ولكنني أغمضت عيني لثوانٍ وتمالكت نفسي، وصوت يوجين -الذي لسبب ما بدأ في عد تنازلي- لم يكن يساعدني.
“كما كنت أقول، جميع الأطراف المعنية تعرف بالفعل لذلك لا يوجد أي خرق لقوانين هنا”. ختمت جملتي بأكثر تعبير مسالم يمكنني وضعه على وجهي ولكن كان بإمكاني الشعور بعضلات وجهي تتشنج بينما أحدق بتعبيره الساخرة والقابلة للكم بشدة.
“قائدة الفرسان! بشرية مثلك ليست إلا أضحوكة في هذه الحرب القائمة، جميع هذا الفريق ماهو إلا أضحوكة. بل أنكم تجعلون منا أضحوكة بدوركم، تظنين أن تدخلك متظاهرة بالـ...” لم استطع سماع بقية حديثة..
كل شيء اختفى وكلمة واحدة كان يتردد صداها داخل رأسي تزامنًا مع عد يوجين الرقم خمسة..
“أضحوكة؟” تمتمت بها أحدق بوجهه بينما لزال يتحدث بهراء أنا على يقين أنني لن أهتم بحرف منه..
“أربعة”.
“أضحوكة؟” كررت الكلمة مجددًا بينما تمر علي ذكرى كل فعل مشين قام به النبلاء منذ وقت مجيئي هنا وأخرها اجتماعهم اللعين مع أورال.
“ثلاثة”.
“لذلك، لا أهتم من تكونين قائدة فرسان أم قائدة سرك، أنتم تدنسون هذه الاكاديمية”.
“اثنين”.
بدأت يدي في الارتجاف ورغبة صفعه حتى تفتت أسنانه تتصاعد أكثر فأكثر داخلي. لقد حاولت بشدة ولكن هذا صعب حقًا، أنا! أضحوكة؟ أنا أجعل من مجموعة المهرجين هؤلاء أضحوكة؟”
“واحد”.
“ابتلع لسانك اللعين حالًا”. رؤية تعبير العجرفة تُمسح عن وجهه جراء كلماتي كان مرضيًا كالنعيم.. تقدمت خطوة نحوه وقد ابتلعت كل محاولة لكلمات اللطف والتفاهم من قاموسي..
“أخبرتكم أنها لن تتحمل لدقيقة واحدة” صرخ يوجين ملوحًا لإليف وذكرت نفسي بحاولة صفعه مجددًا لاحقًا.
“هل أخبرتني أن ابتلع لسـ..” بدا مشوشًا وهو يعيد الجملة “هل سمعتني أتلعثم عندما أمرتك بإبتلاع لسانك؟” اتسعت عينه وكرر “أمـ.. امرتني؟”. لم أهتم، صوتي الهادئ بدأ يعلوا أكثر :
“أضحوكة؟ أنا أضحوكة؟ أعلي سحبك حتى قصر رئيسك جلين حتى أُريك كيف يمكنني أن أجعل من أحدهم حقًا أضحوكة؟ أعلي أن أذكرك كيف كان من الممتع لكمه أمام المملكة كاملة جاعلة منه أضحوكة؟ أتعلم ماذا أيها المعلم؟” خرجت كلمة المعلم بكل بسخرية كاملة قبل أن أتقدم خطوة أخرى فلا يفصل بيننا سوى مسافة صغيرة أنظر لعينه بغضب ممكبوت..
“إن كنت تظن حقًا أن هذا الفريق أضحوكة لتقم بالإشارة لواحد منهم.. أو لا، دعيني أقدمك لأصغرهم، أترى هذا الصبي الصغير خلفي؟ لما لا تحاول قتاله؟ سأريك كيف يمكن لطفل واحد أن يحولك لأضحوكة هذه الاكاديمية التي تعتز بها كثيرًا”.
ارتجاف عضلات وجهه كان يوضح أثر الإهانات عليه، وبالرغم من تملك الغضب جسده إلا أن سكوته كان رسالة واضح..
هذا الأحمق لا يملك سوى الصوت العالي، كجميع النبلاء.
“لن أنسى هذه الإهانة ما حييت أيتها البشرية، تأكدي مادمت هنا سأقوم بكل ما في وسعي لطردكم شر طرده”.
وبهذا كسر التواصل البصري بيننا والتفت مغادرًا المكان وقدمه تقرع الأرضية بكل عصبية.
زفرت في محاولة لإعادة التحكم في أعصابي مجددًا بينما أسمع تصفق ثونار وهارليك الفخور من خلفي.
ومن جهة أخرى..
كان بإمكاني ملاحظة ابتسامته المستمتعة دون حتى النظر نحوه لذلك دحرجت يعني والتفت نحوه قائلة بنبرة لاذعة “ماذا؟”.
ظلت الابتسامة على وجهه قبل أن يرفع كتفيه مجيبًا “لسبب ما، تذكرت الأميرة المرتجفة التي اعدت التعامل معها سابقًا”. ارتفع إحدى حاجباي قبل أن أصحح “تقصد التي كنت تحاول قتلها في كل فرصه متاحة؟” ظلت عينه تحدق بي لثوانٍ قبل أن يتمتم “لدي أسبابي؟”.
أحقًا يظن أن هذا تبرير ناجح؟
“اعتذر عن المقاطعة...” التفتنا نحو هيلبارت الذي وقف حائرًا بعض الشيء “لما قال هذا الرجل أنك لكمتي جلين؟”. إلهي هذا الرجل يفتقد الكثير من المعلومات “لأنها فعلت” أجاب هارليك ببعض الفخر عوضًا عني وأومأت ثونار كتأكيد.
“لكمتي جلين!” يحاول التأكد لأتنهد مجيبة: “يمكنك القول أنني أختلف في الأراء مع بعض النبلاء مما يجعل التعامل السلمي بيننا صعبًا”.
كاد يفتح فمه لكن الصوت القادم من الجهة المقابلة دفعني لدحرجة يعني “ليخبرني أحدكم أن المعلم لوسيوس كان مندفعًا لمبنى الإدارة بهذا الغضب بسبب أحد الطلبة”.
أشرت بإبهامي نحو أوكتيفيان الذي اقتحم المكان برفقة بقية الفرسان وهمست لهيلبارت “هذا الرجل على سبيل المثال، إنه شريف ونزيه ولكن دماء النبلاء في عروقة تجعلك ترغب فقط في لكمه”.
“أنظر عن كثب لهذه التشكيلة الجميلة، أتريد أن تقنع نفسك أن غضب هذا الرجل له سبب آخر؟” أشار لافيان نحونا ضاحكًا ولكن أوكتيفيان لم يجد الأمر مضحكًا على الإطلاق.
“جلنــــار روسيـــــل.. ألا يمكنك بحق الإله تمالك أعصابك مرة واحدة أمامهم؟ أعلي منع نشوب قتال في كل مرة؟” كتفت ذراعي مجيبة “أترى أي قتال هنا؟ كما أن الرب يشهد أنني حاولت بالفعل تمالك نفسي”.
“لأقل من دقيقة” ليقذف أحدكم هذا الشبح بحذاء.
“هل هذا طبيعي؟” رد فعل أوكتيفيان أثار سؤال السيد هيلبارت ليجيبه زوندي مبتسمًا: “أكثر من طبيعي، يمكنك القول أننا نملك قائدة قادرة على استغلال سلطتها بأفضل طريقة ممكنة كلما رأت نبيلًا يتبجح في المكان” ربتت ثونار على كتفي بقوة مبالغة فيها تزامنًا ما جملة زوندي.
“ثم ماذا؟” عقدت حاجبي لسؤاله الغريب ورفعت كتفي بلامبالة “لاشيء، لا يمكنهم فعل شيء ففي النهاية قوانين ممالكم هي قوانينكم أما أنا...” رسمت ابتسامة مرتاحة وأردفت: “فأملك قوانيني الخاصة”.
وجد الواقفين الأمر مضحكًا عدا أوكتيفيان الذي زفر بتعب ولكن هناك ابتسامة تكـــاد تكون ملحوظة على شفتيه.
وعلى عكس ما توقعت ظل هيلبارت يحدق في وجهي بنظرات لم اتمكن من تفسيرها، ولكنها بعيدة كل البعد عن الفكاهة أو حتى الاستغراب!
حاولت تجاهل الأمر والتفت لجميع الموجودين اتفحصهم بنظرة سريعة، إلهي اشتقت لهذه الزمرة بشدة.
“أتسير تدريباتكم بشكل جيد؟” سألت لترتسم ابتسامة شبه مرهقة على وجوههم ولكن الشخص الوحيد الذي يملك تعبير أكثر إشراقًا تقدم دافعًا ابتسامة على وجهي “على أتم ما يرام، أنتم من عليكم بذل الكثير من الجهد”.
“سمعت أنكم تتبجحون بقوتكم على الطلبة هنا” سخرت من أغدارسيل لتتسع ابتسامته ويجيب ببعض المكر في صوته “نحن فقط نُنمي قدراتهم على التحمل” مع هذه الابتسامات الجانبية المُرتسمة على وجوهكم، لا أظن ذلك.
“في الواقع لقد كانت التدريبات هنا أكثر من مثمرة، أراهن أن بإمكاننا هزيمة أي واحد منكم في قتال الآن” كانت جملة تينر جام ممازحة كليًا والمقصد منها بشكل واضح هو تلطيف الأجواء ولكن يبدو أن بعض الأفراد لم يتعلموا مصطلح المزاح في حياتهم.
“ولو بعد مئة عام، لا أظنك قادر على ذلك” الغرور في صوت ثونار كانت معتادًا لذلك تنهدت مدركة أن لا أمل فيها، لكن مالم أتوقعه هو الشخص الذي أجابها قائلًا: “لا تراهني كثيرًا”.
لم أكن الوحيدة المصدومة فالنظرة على وجه ثونار وهي تنظر لرومياس كانت نوعًا ما مشابهة لخاصتي.
“فوزك على بعض الطلبة لا يجب أن يعلمك الغرور يا فتى” هتف جوزفين مبعثرًا شعر رومياس ولكن تدخل أغدراسيل بجدية قائلًا: “في الواقع، ليس غرورًا، الطلبة هنا يخافون تقديم طلبات نزال ضد رومياس بعد قتالين، إنه يمتلك معلمة من الفيرليانز وهي ماهرة جدًا في عملها”.
أقحم يده في جيوبه وحلقت أنظاره علينا ببعض المكر وأردف: “كما قلت، يمكننا هزيمة المتكاسلين منكم بسهولة” كنت أعلم أنه يمزح، محاولًا فقط إغاظة البقية ولكنه اختار الجمهور الخاطئ.
“تقدم إذًا” أغمضت عيني تزامنًا مع أوكتيفيان ما إن تحدث أتريوس أخيرًا.
“ها نحن مجددًا” تمتم زوندي ولكن هذه المرة لم يوافقه لافيان الذي وقف مستمتعًا بالأمر “أتسأل من منهم قد يفوز حقًا”. إلهي أنهم جميعًا يتحولون لحمقى بالفعل.
“لا أظن أن قتال شخص لم يخض يوم تدريب واحد لهو شيء عادل، ستكون هزيمة سهلة” الآن أغدراسيل لم يعد يمزح.
تقدم أتريوس ونظرة لا تبشر بخير ظهرت على وجهه ووقف في وجه أغدراسيل قائلًا: “حتى وإن قضيت عمرك كله تتدرب..” ارتفعت زاوية شفتيه في ابتسامة ساخرة “قطع جناحيك أيتها العصفورة سيكون أسهل من شرب الماء بالنسبة لي دائمًا”.
“إن تركتهما لخمس دقائق إضافيه، سيقتلون بعضهم هنا والآن” كنت متفقة بالكامل مع جملة تينر جام ولكنني التفت نحوه بسرعة ما إن أردف “أوقفي أتريوس من فضلك”.
حدقت في وجهه “لما أنا؟” نظر نحوي بتعبير يحمل معنى واحد وصريح ’أتمزحين!’ لم يكن مضطرًا لقولها فيمكنني رؤيتها على وجهه. هل أنا واضحة لهذا الحد؟
تنهدت بتعب وتقدمت بخطوات متثاقلة أشعر أنني أدخل أرض ألغام.
“لما لا نهدأ جميعًا؟ لا بأس بروح التحدِ في الأجواء ولكن لنتحكم قليلًا في أنفسنا” نظرت للطرفين اللذين لم يكلفا نفسيهما النظر نحوي حتى. أعلم أن الجميع يظن أن من السهل علي ابعاد أتريوس ولكنه كالثور! لا تنجح محاولاتي في كل مرة والرجل يبدو كالمتعطش لسحب فأسه منذ اللحظة الذي دخل فيها للمكان.
لذلك التفت للطرف الأكثر عقلانية ووضعت ابتسامة على وجهي “أغدراسيل، لما لا نترك الأمر هنا؟ كلاكما أكثر عقلانية من هذا” كاذبة! كلاهما كحيوانين في الغابة ما إن يتقابلا، يتصرف كل واحد حسب غرائزه لحماية سلطته.
“لما لا تُهز ذيلك كما تفعل في كل مرة تأمرك بها؟” اتسعت عيني لجملة أتريوس ونظرت بسرعة لأغدراسيل الذي تحول وجهه لشخص غاضب حقيقي وفجأه بدأت تعود لي بعض ذكريات طاولة الفطور الغداء التي تدمر دائمًا بسببهما.
كادت يد أغدراسيل تمتد نحو مقدمة قميص أتريوس ولكن يدي كانت أسرع، في الواقع كان رد فعل لا إرادي فاجأني أيضًا. نظرت لأغدراسيل الذي حدق بيدي الممسكة برسغه ثم لوجهي باستنكار لكني تداركت الأمر بسرعة قائلة:
“أيمكننا التحدث أولًا؟ بعدها سأترك خيار تحطيم وجهه لك بالكامل” وضعت نظرة راجية مدركة أن أغدراسيل يحتاج فقط لوهلة حتى يتدارك الأمر ويتمالك أعصابه.
وقد كنت محقه فقد زفر قبل أن أشعر بتصلب عضلات رسغة أكثر ليونه، حررتها والتفت مبتعدة عن البقية وألقيت نحو أوكتيفيان نظرة سريعة فهم مغزاها مما دفعه بسرعة لمحاولة تشتيت انتباه الجميع بالتحدث عن آلية التدريب للعائدين من المهمة وكنت ممتنة لتفهمه.
وعلى الجهة الأخرى، تفاديت بكل ما أملك من قوة نظرات أتريوس التي أشعر بها منذ اللحظة التي وقفت فيها بينه وبين أغدراسيل. لم أعد أعلم من منا يريد قتله!
توقفت بعيدًا عن المجموعة ماقبلة أغدراسيل أحدق في وجهه أنتظر منه الهدوء قليلًا فحاجبيه يكادان يتصافحان لشدة انعقادهما.
“إن بدأت في قول أن علي تجاهله لأنه مجنون بالقتال فلم يعد الأمـ..” قاطعته مباشرة “لا، يمكنك تحطيم عظامه إذا ما أردت” ماذا؟ أتريوس قادر على الدفاع عن نفسه في كل الأحوال ولكن أكره كثيرًا رؤية نزاع بينهم.
“أغدراسيل، أنت واحد من أول الأصدقاء لي هنا، في الواقع لقد كنت الألطف على الإطلاق لذلك، أنا لا أتخذ صف أتريوس في كل مرة كما تظن” كان من المريح ملاحظة تعبير وجهه التي أصبحت أكثر هدوء وعينه التي كانت تحدق في الفراغ بغضب أصبحت موجه لي.
“ربما أميل دائمًا للحديث معك لأنك أكثر عقلانية من نصفهم، أكثر عقلانية مني أنا شخصيًا، وأعتذر إن كان هذا يضعك موضع الأُضحية في كل شجار ينشب، فأنا أعرف بنفسي كم أن أتريوس صعب المراس والتعامل معه ليس سهلًا” حاولت شرح وجهة نظري بهدوء..
“ولكن الأيام المنصرمة كانت .. سيئة!” تبدلت تعبير وجهه لواحدة أكثر قلقًا “ماذا تعنين؟”. كنت أعلم أننا في النهاية سيكون علينا مشاركة أحداث المهمة الأخيرة مع الجميع ولكن.. يبدو الأمر ثقيلًا دون وجود أوكتيفيان يدعمني هنا.
“الأمر ليس عاديًا.. تلك البوابات..” رطبت شفتاي وحاولت تمالك نفسي ما إن قفزت صورته مجددًا داخل رأسي “إنها ليست تهديدًا عادي، ليست فقط البوابات هي المشكلة الوحيد أغدراسيل..” حاولت أيجاد كلماتي المناسبة ولكنه أسعفني قائلًا: “المسؤولون أيضًا” كان واثقًا أو متوقعًا لأمر كهذه.
أومأت برأسي بتعب قبل أن أنظر نحو بقية الفرسان “إنهم متعبون أغدراسيل، انظر جيدًا لأوكتيفيان.. أيبدو لك طبيعي؟ جوزفين؟ حتى ثونار وزوندي! يتظاهر الجميع بأنهم بخير ولكنه قناع سقوطه مسألة وقت..” عيني وقعت على أتريوس الذي ظلت عينه معلقة بكلانا وشعرت بالغيظ منه فجأة..
هذا الحديث لا يجب أن يكون موجهًا لأغدراسيل فقط!!
ليس عليه أن يكون الشخص الهائج طيلة الوقت وليس علي إعطاء التبريرات لأجله طيلة الوقت أيضًا.
أعدت أنظاري نحو أغدراسيل وكنت ممتنة بشدة لتعبير التفهم والذنب الذي ظهرت على وجهه “أنا لا ألومك، أعلم كيف من الصعب التعامل مع مزاج أتريوس ورغبته الدائمة في القتال لذلك لا أطلب منك أن تتحمل مالا تطيقه، فقط بعض التجاهل سيكون مفيدًا”.
زم شتفيه لثوانٍ قبل أن يتنهد مبتسمًا “ماذا علي أن أفعل؟ أنا رجل المسؤوليات الصعبه” ضحكت لمزحته ليشاركني الضحك.
“جلنار، أنا..” أخذ نفسًا ما إن توقف عن الضحك ونظر بعيدًا لثانية قبل أن تعود عينيه نحوي “أنا مهتم بك، منذ اللحظة الأولى التي التقط يدك، كان بإمكاني رؤية ذلك البريق في كل مرة أنظر فيها نحوك. شخص آخر كان ليتجنبنا جميعًا إن تعرض لما تعرضت له ولكنك مختلفة عن بقية الأشخاص هنا... ربما لأنك بشرية، لكنني شعرت بالراحة في كل مرة كنت موجودة في الارجاء”..
احتفظت بصمتي بينما أحدق بوجهه ونظرته المتعاطفة نحوي “جلنار، يؤلمني ملاحظة ذلك البريق في عينك يبهت يومًا تلو الآخر، لذلك لا تتركِ هذه المملكة تسرق الفتاة التي جاءت إلى هنا منذ شهور”.
لم أكن أملك تعليقًا واحدًا لذلك كل ما فعلته هو تجنب نظراته لوهلة أحاول فيها تدارك تعبيري قبل أن أرسم ابتسامة صغيرة على وجهي قائلة: “لا تقلق، سيحتاج الأمر أكثر من هذه المملكة لسرقتي”.
رُغم أنه لم يبدو مقتنعًا كثيرًا بابتسامتي إلا أنه وضع واحدة مشابهة وأومأ بتفهم.
“بالمناسبة، إنه على وشك قتل كلانا، يمكنني رؤيته متوجهًا إلى هنا يكاد ينفث النيران من فمه” كان أغدراسيل محقًا، التقطت عيني جسده الذي يقترب منا من نهاية الساحة لذلك أومأت لأغدراسيل قائلة: “جيد، لست الوحيد الذي سأتحدث معه هذه المرة”.
ارتفع حاجبيه وتمتم “يارجل! أحدهم لن ينجوا اليوم”.
في اللحظة التي توقف فيها أتريوس أمامنا وقبل أن يفتح فمه بكلمة واحدة نظرت نحوه قائلة بحزم: “أريد التحدث معك”.
النظرات المتجهمة على وجهه اهتزت لثوانٍ وحدق بوجهي ببعض التشوش وازداد هذا التشوش عندما هبطت يد أغدراسيل فوق كتفه قبل أن ينسحب قائلًا بنبرة استمتاع واضحة “حظًا موفقًا”.
سقطت عينه على كتفه حيث حطت يد أغدراسيل قبل أن يرمي نظرة أخيره نحو ظهره الذي يبتعد عنا.
“أحدهم سيحصل على توبيخ” هتاف يوجين وصلني من منتصف المكان بينما يحلق مسرعًا للمشاهدة ولكنه توقف في مكانه عندما نظرت نحوه بجدية وحده وضحت رغبتي بشكل لا تراجع فيه.
“بحق الله جلــنار” صاح بانزعاج لكنه لم يحاول اللحاق بنا مستجيبًا لرغبتي.
خرجت من المكان ليتبعني أتريوس ومن الواضح إنه يكبت رغبته في الشجار بصعوبة. ما إن أصبحنا بعيدًا عن الأعين التفت نحوه، واقفًا عاقدًا كلا ذراعيه فوق صدره بإنزعاج واضح.
“لما بحق الله تـ...” قاطعته فورًا دون رغبة في الاستماع لما يقول “ألا يمكنك البقاء في مكان واحد لخمس دقائق دون الشعور في رغبه لقتل أحدهم بحق الإله أتريوس فلورمان؟” لقد أردت أن تكون نبرتي أكثر انخفاضًا من هذا ولكني فشلت فشلًا ذريعًا ولم أكن أملك أي نية في التراجع.
“أتظن دائمًا أن من حولك عليهم تحمل هذا السلوك؟ أعلي دومًا إيجاد تبريرًا ما في كل مرة ينشب فيها شجار بسببك؟”
“لم أطلب منك يومًا التبرير لأجلي”.
“أتظنني أملك خيارًا؟ ألا تظن أن قبولي لمنصب القائدة اللعين يضعني في وجه المدفع دائمًا.. أتعلم ماذا؟ أنا بالفعل أملك خيارًا، إعادتك لأرض الواقع عوضًا عن تبرير أفعالك”.
حدق بي لثوانٍ قبل يقترب من وجهي قائلًا بصوت منخفض ولكنه حاد: “أتظنني أطيق واحد منهم في الداخل؟ هل أبدو لكِ سعيدًا جدًا بتواجدي هنا..”
تقدمت صائحة في وجهه “هل أبدو لك سعيدة أيضًا؟”.
تراجع لوهلة دون إجابة ولم أكن لأتوقف للاستماع لواحدة، اشرت حيث الساحة مردفة: “أيبدو لك أي منهم سعيدًا في الداخل؟ لا احد أحمق كفاية في الداخل ليصدق محاولاتنا المستميتة في التظاهر أننا بخير مع كل شيء ومع ذلك..” تقدمت بغيظ أنظر لعينه “نحن لا نحاول جعل الأمر أصعب مما هو عليه”.
هتف في وجهي بعصبية “هل أصبح واجبًا علي الآن التظاهر لأن الجميع يفعل؟ هذه طبيعتي جلنار! ليس علي التظاهر بعكس ما أريد” دفعت صدره بقوة وعصبية وصحت في المقابل “ولكنك تفعل أيها الغبي، ربما لا تحبهم ولكنك لا تكرههم، تظاهرك المستميت بكراهيتهم يثير أعصابي”
تقدمت ودفعت صدره مرة أخيرة “أنا لا أطلب منك محبتهم، لكن توقف عن دفع الجميع لكراهيتك كلما تنفست، لأنه إن حاولت قليلًا فتح عينيك ستدرك أن رغم جميع محاولاتك، فلا أحد منهم يكرهك فعلًا”.
حاولت تنظيم أنفاسي لأهدأ قليلًا ومسحت وجهي بتعب بينما ظل يراقبني بصمت وبتعبير جامد.
“لم أختر أن أكون فردًا في هذا الفريق، وإن كنت املك الخيار.. لما وافقت، لست مثلك قادرًا على تقبل واقع أُجبرت عليه في كل مرة”. قال بهدوء بعد صمت مر بيننا.
“ولكن تم اختيارك أتريوس، لسبب وجيه تم اختيارك، لم تكن غلطة ولم تكن مصادفة، وجودك في هذا الفريق أكثر أهمية مما تظن، هذا الفريق في حاجة لرجل مثلك.. هذا العالم..” ابتلعت أحاول تنظيم كلماتي، العديد من الصور تمر في رأسي.. لوكيان، النبلاء، كاريان، الإريبوس كلما تعلمت أكثر كلما شعرت بالخوف من الصورة التي تتضح.. وأتريوس..
أتريوس يملك دورًا ضخمًا يمكنني رؤيته في هذه الصورة، كيف لي إيصال هذه الفكرة له دون إخباره بأنني أعرف كل شيء.
“أتريوس هذا العالم في حاجة لرجل مثلك.. أعلم أن هذا لا يعجبك البتة، ولكن أنظري لي..” ضحكت بسخرية وأردفت:” تقبل؟ في كل مرة أفتح عيني فيها صباحًا لازالت أحاول التأقلم لا التقبل، أتعلم لما أنا مجبرة على أمر كهذا؟” نظرت لعينه التي شعرت بها تحدق بروحي لا عيني “لأنني إن لم أتقبل، وإن لم تتقبل أنت وإن لم يتقبل أي واحد من الأشخاص في الداخل فسيدفع الثمن من هم دوننا قوة، من لا يملكون حيلة.. لقد رأيتهم بنفسك أتريوس، إنهم الجدار الأول أمام المدفع.. قل لي، إن لم نقبل نحن هذه المهمة، إن لم نتولى أمر حمايتهم وحماية أمثالهم في كل مملكة، من سيفعل؟”.
ليس فقط سكان الحدود، ليس فقط البشر، بل الحلقة الأكثر ضعفًا، شعب نسى الجميع وجودهم، حمّل أتريوس أثقل مني ومن أي فارس آخر، أتريوس أُختير ليُعيد الحياة لمملكة الإريبوس.
إنه إثبات حي أن الإريبوسيين ليسو الوحوش في القصة.
“أرجوك، حاول لمرة واحدة مساعدتي، حاول لمرة واحدة رؤية الرجل الذي أراه لا الوحش الذي تظن نفسك عليه” خانني صوتي هذه المرة، كانت نبرتي متعبة وراجية أكثر مما كانت معاتبة.
كنت أعلم أن أتريوس وتصرفاته ليست المسبب الاول لتعبي، أنا أحاول طيلة اليومين إلقاء المسبب الرئيسي في نهاية رأسي ولكنه يظهر في كل تصرف وحديث وغمضة عين.
ألتقطت عيني أعين أتريوس الذي أحنى رأسه بشكل طفيف ليحدق بعيني يحاول جذب انتباهي، لم يكن غاضبًا أو مستاء.
“هل أنتِ بخير جلنار؟”. تفحص وجهي بنظرة سريعة وكم كرهت الشعور بالخوف من قراءته أفكاري في أغلب الأوقات.
امتدت يده نحو وجنتي أشعر بأنامله تتلمسها بحرص وكأنه يخشى لمسي “ربما أكون رجلًا أحمقًا، لكنني لن أكون يومًا عبئًا عليك تحمله، أريد ان أكون الشخص الذي يحمل العبئ عنك لا العكس”.
الشعور بلمسته تزامنًا مع كلماته كان مريحًا، وفجأه شعرت بالأفكار السيئة أشبه بغمامة من الصعب التفكير فيها.
“أعلم ذلك أتريوس، وعلى الرغم من ذلك... الكلمات وحدها دون أفعال تُثبتها ليست إلا كلمات!”. أمسكت بكف يده أزيحها عن وجنتي بخفة وأردفت “لقد أخذت كفايتي من الكلمات الحلوة، لكنها لا تفيد كلانا”.
بدا عليه بعض الإدراك وهذا لوحده كان نتيجة مرضية، لذلك أردت إنهاء حديثنا هنا، وفي اللحظة التي حاولت ترك كف يده فيها تمسك بي وسحبني بخفه بين ذراعيه.
اتسعت عيني بتفاجؤ للحظة أشعر بذراعيه تلتفان حول جسدي ونفسٌ قوي غادر صدره قبل أن يقول دون سابق مقدمات:
“أنا أسف”.
هل اعتذر للتو!
هذا جديد، جديد كليًا! ولكن التركيز على الامر كان يزداد صعوبة بسبب الشعور بيده التي ظلت تمسح برفق على ظهري لذلك تلقائيًا اسندت رأسي لصدره أشعر ببعض السكينة لأول مرة منذ فترة.
“هذا اعتراف منك أنك كنت أحمقًا” مازحته ليهتز صدره بخفة نتيجة لقهقهته “ألا يمكنك ترك فرصة لإغاظتي دون استغلالها؟” قال ولسبب ما ضاقت ذراعه حولي أكثر وكأنه يمنعني من الابتعاد عنه.
رفعت رأسي أنظر نحوه أو بشكل أدق نحو فكه وذقنه من زاوية نظري واتسعت ابتسامتي تلقائيًا عندما قال: “أنا حقًا لا أطيق ذلك الرجل”.
كان يقصد أغدراسيل، وأردت بشدة رمي جميع الحقائق التي أعرفها على ورق وإلقائها أمام وجهه حتى أثبت له أنه في الواقع يثق في أغدراسيل أكثر مما يظن.
أخفض رأسه ينظر نحو وجهي وقال بابتسامة دافئة: “لكنني سأحاو..” توقف فجأه وعينه لازالت معلقه بعيني ثم صحح “سأفعلها، سأكون رجلًا صالحًا لبعض الوقت إن كان هذا ما تريدينه” إلهي لا يمكنني التوقف عن الابتسام كالحمقاء.
“لكنه عرض مؤقت، لأجلك فقط” توقف بحق الإله، أردت أتخاذ موقفًا هنا ضدك وأنت لا تجعل الأمر سهلًا.
أردت بقاء اليوم كله هنا وإلقاء كل شيء خلف ظهري ولكن لا تسري دائمًا الرياح كما اشتهي، فجسدي أجفل بشدة وقفزت بعيدًا عن أتريوس بخمس خطوات ما إن قَطَعَ الهدوء بيننا صوت سعلة صغيرة.
التفت بسرعة اتجاه صاحب الصوت بأعين متسعة أشعر بقلبي يكاد يخترق صدري وكأنني مُراهقة أُمسكت متلبسة.
أمرأة ذات قامة قصيرة وجسد نحيل وقفت على بعد أمتار منا، تحدق بكلانا وابتسامة ضخمة على وجهها حاولت إخفائها بالعض على شفتيها بينما كانت عينها تلمع بحماس أكثر من أي فتاة شاهدت أفلام تويلايت للمرة الأولى في حياتها.
“أعتذر عن مقاطعتكما لم أ..” قاطعتها بسرعة صائحة: “لــ..لم تقاطعي شيئًا.. لـ.. لقد كنت..” ابتلعت أحاول إيجاد عذر والتفت لأتريوس أطلب المساعدة لكنه ظل واقفًا غير مبالي يحدق في المرأة بانزعاج لم يحاول إخفاءه.
انحنت المرأة بشكل طفيف كاحترام وقالت: “يسعدني مقابلة أبنة التوبازيوس شخصيًا، أنا ڤيرِليانز، أدعى هيلاريا سيلفانوس، أعتذر مجددًا على مقاطعـ...” قاطعتها مجددًا أشعر بوجهي يكاد ينفجر من الحرارة “لم تقطاعي أحدًا” ضحكتُ بشكل فظيع ولكنها لم تساعدني في الخروج من الموقف فأعينها الخضراء الواسعة ظلت تحدق في كلانا بحماس وسعادة مبالغ فيها.
أحنت رأسها مجددًا في استئذان قبل أن تضع شعرها الأسود القصير خلف أذنها وتتخطاني للساحة وأكاد أقسم بالإله إنني سمعتها تمتم بـ “علي سؤال رومياس عن كل شيء”. رائع.
“عليك التركيز على انهاء تدريباتك هذه المرة بجدية اتريوس، يبدو أن المعلمين هنا مفيدين حقًا حتى وإن لم تكن تؤمن بذلك” دحرج عينه جراء جملتي “أريد فقط إعلامك أن اتفاقنا لا يجري على الطلبة هنا”. عقدت حاجبي باستغراب ليفسر “التنمر على طفل يظن أن بإمكانه هزيمة بالغ يمنحني متعة خالصة”.
حسنًا، سأرضى بالمعروض فقط لأن ما قاله نوعًا ما يبدو بالفعل ممتعًا.
يده التقطت رسغي عندما التفت للدخول “جلنار، المملكة تحترق في الحالتين، لما لا تأخذِ اليوم راحة؟ تبدين في حاجة لها” الطريقة التي يهتم بها حقًا، انا على يقين أن أتريوس كان ليكون محبوبًا جدًا إن أظهرها للبقية.
ربت على يده وحركت رأسي للجهتين “لقد ارتحنا بما فيه الكفاية، نحن متأخرون جدًا لدرجة أن بوابة واحدة سببت هذا الكم من الذعر لنا، لا وقت للراحة وأنت تعرف ذلك” لم يبدو راضيًا ولكنه أطلق سراح رسغي مدركًا أن لا خيار آخر أملكه.
عدت لداخل الساحة معه جذابه أنظار نصف الموجودين. ألقى أتريوس نظرة أخيرة نحوي وقال قبل أن يتحرك “يمكنك استدعائي وقتما تريدين” رفع يده يظهر سوار التواصل بيننا لأومئ بامتنان.
ما إن تحرك مبتعدًا كان بإمكني ملاحظة السيد هيلبارت الذي تحرك متجهًا نحوي “إذًا هؤلاء الهمج هم من جلبتني هنا لتدريبهم؟” ابتسمت باستمتاع وأجبت “لا يمكنك الإنكار، إنهم مجموعة مثيرة للاهتمام” ضحك وتمتم “ولشفقة” نعم سيكون طريقًا طويلًا حتى يعتادوا صراحته اللاذعة.
“تعلمين أن التدريب يشملك أيضًا؟” لمح ما إن لاحظ استعدادي للخروج “بالطبع، سأهرب اليوم فقط وأعدك، سأكون اول الحاضرين غدًا” نظرت فوق كتفه لهارليك الذي لم يتوقف للحظة يحاول سرقة كل المعلومات عن المهمة الأخيرة من ثونار التي تمنع نفسها بصعوبة من صعقه وأضفت “وسأسرق الصبي منك أيضًا”.
ارتفع حاجبه وألقى نظرة سريعة لهارليك “عمل جيد بالمناسبة” لم افهم ما يقصد حتى وضح “لقد نحجتِ في جعل عملاقًا يتحول” اتسعت عيني بسرعة وهتفت “كيف عرفت؟” اقترب مني هامسًا بطريقة تثير الريبة “عليك الحذر مني أكثر بكثير مما تفعلين”. لقد بدأ يُخيفني نوعًا ما ولكن.. هذا جيد، إنه فقط يثبت مقدار براعته.
“إذًا سأعتمد عليك كثيرًا في تدريبه” مجددًا بدا كمن لم يتوقع إجابتي “ ستتأقلم سريعًا مع البقية، سيعطيك أوكتيفيان كل المعلومات اللازمه و.. إن ضايقك أحد النبلاء مجددًا فقط قل لهم أن يحشروا ألسنتهم داخل أفواههم ويحضروا شكواهم لي شخصيًا”.
مازحته في النهاية ولكن للمرة الثانية بدا تعبيره جامدًا مما دفع شعور بعدم الراحة داخلي “عليك أخذ حذرك أكثر أيتها الصغيرة”. حسنًا هذه ليست الطريقة التي توقعت أن يتجاوب فيها شخص مع مُزحة!
“لقد قلتِ أن النبلاء لا يملكون خيارًا آخر سوى قبول طريقتكم، وإن أبقيتي على هذه الأفكار فأنت ترتكبين أكبر خطأ في حياتك” الجدية في صوته وتعبيره محت أي ابتسامة كانت على وجهي.
“هناك سبب قوي يدفع رجل مثلي لتجنب التعامل أو التصادم مع النبلاء حتى مع ثقتي أنني أفوقهم قوة” اقترب خطوة نحوي وأصبح صوته أكثر انخفاضًا وكأنه يخشى أن يسمعه أحدهم “أنتِ تقفين أمام سد، سدٌ ضخم جدًا جلنار لا تدركين طوله بعد لانك لا ترين أبعد من مجال رؤيتك”.
ما الذي يعرفه هذا الرجل بحق الله؟
أردت التحدث، الرد عليه ولكنه لم يترك لي فرصه لأنه قال جملته الأخيرة قبل أن يلتفت ويتركني واقفة كالبلهاء..
“عدوك الأسوء ليس الإريبوس، إنه يقف أمام عينك وأنتِ تستخفين به”.
حدقت به يبتعد بعد أن زعزع هدوئي بالكامل وانسحب بكل انسيابيه.
“ما كان هذا؟” التفت ليوجين الذي لم ادرك أنه كان هنا طيلة الوقت “لا أملك فكرة” همست.. لنفسي اكثر من كونها إجابة ليوجين. عيني تلقائيًا اتجهت نحو الشبح إليف ولكنه وقف صامتًا تمامًا وبدا أكثر شرودًا مني ومن يوجين.
أجفلت ليد هارليك الذي أمسكت يدي وقد وضع ابتسامة كبيرة متحمسة “هل سنتحرك؟” أومأت له ورفعت رأسي ألوح للبقية قبل الخروج.
“جلنار، توجهي للقصر الملكي فورًا” هتف أوكتيفيان يذكرني لأرفع له إبهامي دون الإلتفات نحوه.
"بالمناسبة أين أرتيانو؟” سألت هارليك ليجيب: “يتواجد في مكتبه الخاص في المنزل، لماذا؟” ربت على رأسه مجيبة: “لأننا سنذهب له”.
التفت بسرعة ينظر لاوكتيفيان ثم لي بإرتباك مما أثار رغبتي في الضحك “لا داع للأمتثال للأوامر بحذافيرها” همست منحنية نحوه ليضحك بحماس أكبر.
اتجهنا نحو البوابة الرئيسية حيث أخبرني هارليك بوجود مركبات طاقة مجهزة بسائقين خاصين لإيصال الطلبة في حالات الطوارئ أو الحالات الخاصة، كان من الجيد ان استخدامها مسموح للفرسان في أي وقت.
لذلك انطلقنا بواحدة مع سائقها الخاص بما أن لا أحد منا يعرف كيف يمكنه تمامًا تشغيل واحدة “عليك تعلم قيادتها، تبدو ممتعه” علق يوجين ما إن ارتفعت المركبة عن الأرض “أملك تنينًا يوجين، صدقني إنه أكثر متعة” همست ليدحرج عينه ويتجاهل إجابتي.
كان من اللطيف أن أحظى برحلة قصيرة هادئة، فكان هارليك مدركًا أننا لا يمكننا التحدث براحة عن أخر مهمة أمام السائق. إليف كان هادئًا كعادته، مستغرقًا في أفكاره، ويوجين.. لسبب لا اعرفه قرر فقط مراقبة النافذه بصمت وبين حين والآخر يعلق على السائق الذي يلمع رأسه الأصلع بسبب أنعكاس الشمس عليها.
أما أنا، ظننت أن الرحلة ستكون أشبه بفاصل قصير، وعلى عكس ما توقعت، يبدو أن أي موقف يسوده الصمت والهدوء هو دعوة مفتوحة لجميع الأفكار السيئة للعودة، وما قاله السيد هيلبارت كان أشبه بإضافة بعض البنزين على منزل يحترق بالكامل.
اُنتزعت من أفكاري عندما أعلن السائق وصولنا، قفز الجميع من المركبة وكان من اللطيف تمديد قدماي بعد الجلوس داخلها لمدة. أراد السائق انتظارنا لإعادتنا ولكنني طلبت منه العودة. أملك بالفعل وسيلة تنقل ممتازة.
راقبت المركبة تبتعد عن أنظارنا وقبل أن التفت التقطت اذني صوت خطوات الأقدام التي كانت تقرع الأرضية بقوة.
اللحظة التي التفت فيها لم أرى سوى جسد كارولوس الأسود يندفع نحوي بقوة لأقع أرضًا فوق ظهري.
الكثير من المشاعر هاجمتني فجأة وأدركت أنها ليست مشاعري الشخصية، اشتياق وحماس، بعض الغضب ولكنه أشبه بعتاب لا سخط. أسقط كامل وزنه فوقي مسببًا في تأوهي بين ضحكاتي ومحاولاتي المستميته في دفعه عني والمسح على جسده في الوقت ذاته.
“اشتقت لك كثيرًا أيها الأحمق” صحت محتضنة عنقة ليدفع برأسه أكثر بين ذراعي.
ابتعد لثوانٍ ونظر نحوي بغضب نافثًا أنفاسه الساخنة “تعلم أنني لا أملك خيارًا آخر كارولوس” دفع كتفي برأسه وكان بإمكاني بوضوح سماع أفكاره لذلك أجبت “كيف يمكنني بحق الإله أخذك معي لكوكب آخر؟”.
“في الواقع يمكنك ذلك”.
التفت ثلاثتنا نحو إليف الذي وقف يحدق بنا ورابعنا كان هارليك الذي يحدق حيث أحدق “ماذا؟” سأل ثم اردف “ألم تعرفي أن تنين الشفق يمكنه السفر عبر المجرات إذا ما أراد؟” يمكنه ماذا؟
التفت بسرعة أنظر لكارولوس والذي بدوره نظر نحوي وكأنه يعرف المعلومة للمرة الأولى “كيف يمكن لتنين السفر خراج غلاف كوكب كامل؟” صحت لأسمع شهقة هارليك “يمكنه التحليق بين الكواكب؟” سأل بسرعة لأصحح “المجرات” ليشهق مرة أخرى.
“لما تظنين إذًا أن تنين الشفق أكثر التنانين نُدرة؟ إنه أشبه بمخلوق سحري” قال لأصيح “لما لم تخبرني من قبل؟” رفع كتفيه متمتًا متجنبًا النظر لعيني “ظننتك تعرفين”.
ظللت أحدق في كارولوس بدهشة بينما أمسح على ظهره “يبدو أنه شخصيًا غير مدرك لقدارته” تمتمت فقد كان يحدق في إليف ببعض الحيرة.
“أين رفيقك؟” سألت بسرعة ما إن قفز آركون لرأسي لاسمع صوت جحرشته بتذمر تزامنًا من صوت تحرك الشجيرات من خلفنا. التفت الجميع لصوت الزمجرة العالية والحذرة القادمة من بين الأشجار. أعينه التمعت بشراسة بينما يقفز في وجهنا ولكنه تبدل كليًا واتسعت عينه من وحش مفترس لحيوان أليف، ما إن وقعت علينا ويمكنني الشعور بكم الإنزاعاج الذي يشعر بها كارولوس وكأنه يرافق شيئًا أحمقًا.
فتحت ذراعي صائحة “آركون” ركض بسرعة واضعًا جسده ذو الفراء البيضاء بين ذراعي -متجاهلين كلانا محاولات كارولوس لركله دون أن ألاحظ- وبقيت أمسح على رأسه.
كان الأمر مع آركون مختلف عن كارولوس دائمًا بالنسبة لي، الصلة القوية بيني وبين كارولوس لم تكن تتشابه مع آركون، كارولوس أشبه بطفلك الضائع في غابة ما، يمكنك الشعور به دون فهمه أما آركون فهو كحيوان أليف صغير.
ومع ذلك كلاهما عزيزان علي حقًا، لم أدرك كم اشتقت لقضاء الوقت معهما إلا عندما احتضنت كلاهما الآن.
“جلنار”. همهمت دون الإلتفات ليوجين وظللت أتناوب في مداعبة كارولوس وآركون “جلــنار، هذه ليست أحد أصدقائك صحيح؟”.
عقدت حاجبي ودفعت آركون بعيدًا عني بخفة أنظر نحوه.
وقف يحدق مع هارليك وإليف بشيء ما بنفسجي كان يُحلق نحونا بسرعة عالية، وقف ذلك الشيء أمام عيني مباشرة تزامنًا مع زمجرة كارولوس.
لقد رأيت هذا الشيء من قبل، الزغب البنفسجي والأجنحة الصغيرة والأقدام الأربعة، ارتفع حاجباي بإدراك ما إن تذكرت “غابي؟” هذه رسولة إيراكوس!! ما الذي تفعله هنا؟
اندفعت نحو وجنتي قبل أن تسقط بين كفي يدي.
“ظننت أنني سأنتظر للأبد حتى نتقابل مجددًا”.
التفت لصاحب الصوت القادم من بين الشجيرات “إيراكوس!” هتفت بأستغراب ليبتسم ابتسامته المميزة والتي تظهر نابه بشكل واضح، عدل وشاحه الأخضر حوله عنقه وقال: “اشتقت لي؟”.
طارت غابي من بين يدي نحوه واختبأت داخل وشاحة ليداعبها بأنامله “كيف أمكنك المجيء هنا؟ ظننت أن أرض منزل الفرسان لا يمكن الوصول لها بسهولة؟”. ضحك بفكاهة وتمتم “تظنين الكثير سيدة روسيل”.
أعاد أنظاره نحوي وقال: “حاولت غابي العثور عليكِ في أرض المتنكرين ولكن، يبدو أن تأثير وجود بوابة الإريبوس قويًا لدرجة أخافتها وأعادتها فورًا قبل إيجادك، هذه المخلوقات حساسة جدًا لطاقة الظلام” تمتم بجملته الأخيرة بنوع من الأسف.
“لما تبحث مرسولتك عني في مملكة أخرى؟” لم يجب عن سؤالي وعوض عن ذلك نظر لهارليك ولوح بكفه “يسعدني مقابلتك مجددًا” ظل هارليك يبدل أنظاره بيننا بصمت يحاول اتخاذ موقفًا وديًا أم اندفاعي بسبب ظهور إيراكوس المفاجئ. وفي المقابل كانت نظرات إيراكوس ترسل معنى واضح لذلك نظرت نحوه بابتسامة مطمئنة وقلت: “لما لا تسبقني للمنزل؟”.
ظل ينظر نحوي ثم يتفحص بسرعة وجه إيراكوس “هل ستكونين بخير؟” همس بحذر لأومئ مؤكدة مشيرة للمخلوقين خلفي “لدي حماية كفاية” كان من الواضح أنه يكبح فضوله بصعوبة لذلك أضفت “سأخبرك كل شيء في الوقت المناسب”.
أخذ نفسًا عميقًا ثم أومأ رغم عدم اقتناعه “سأبحث عن السيد أرتيانو أولًا” قال قبل أن ينطلق للمنزل وقد ألقى نظرة تحذيرية أخيرة نحو إيراكوس الذي بادله بابتسامة لطيفة.
في اللحظة التي أختفى فيها هارليك من أمامنا تبدلت نظرات إيراكوس وابتسامته وتقدم نحوي متجاهلًا نظرات كارولوس المهددة وقال: “أعلم أنك تملكين من المشاكل ما يكفيك ولكن.. أظن أنه من الواجب علي تبليغك بهذا”.
ذلك الشعور السيء.. ارتفع مجددًا خلال معدتي، كنت أعلم أن اليوم لا يمكن أن يمر بسلام، حدقت بوجهه الجدي واخذت نفسًا قويًا “ماذا لديك؟”
“بنجامين ألفن، منذ مدة بدأ فجأة في التحرك بشكل مريب، لم يكن الرجل على راداري من البداية ولكن مع مرور الوقت كانت مصادري تلاحظ وجود رجاله في أماكن غريبة لجمع بعض المعلومات”.
ألفن! المصائب دائمًا تأتي من تحت رأس ألفن، لم أحاول مقاطعته وانصت إليه ببعض الحذر.
“في البداية كان يحاول جمع بعض المعلومات عن الفرسان، ثم اتجه بحثه بشكل خاص لإسمك وهو شيء متوقع” حسنًا عادل كفاية، بعد الجلبة التي أحدثتها في أول يوم تقابلنا فيه .
“ثم.. بدأ يجمع المعلومات عن أسماء أكثر وأكثر، وأكثر من بحث عنه كان أنا!” ارتفع حاجباي وهتفت “أيعلم عنك شيئًا؟” أقحم يده في جيبيه وقال بنبرة عادية لم تبدو لي قلقة “لا أعلم تمامًا قدر المعلومات الذي يملكها، إلا أنكِ إن اردتِ مني التخمين، يمكنني القول أنه على الأقل أدرك هويتي الحقيقة بالفعل”.
اتسعت عيني وشعرت بالقلق يتملكني بسرعة لا يمكن التحكم فيها، ولكن ما أثار تعجبي هو الهدوء الذي يبدو عليه صاحب المشكلة نفسه.
“أعلم أنني أبدو هادئ أكثر من المعتاد، لكني تجهزت لأمر كهذا منذ وقت طويل، ليس هذا هو الأمر الذي أثار قلقي في الواقع، الشخص التالي على قائمة بنجامين هو ما دفعني لإرسال غابي فورًا لإيجادك”.
جميع الأسماء التي يمكنني التفكير فيها مرت داخل عقلي وودت لو كان صوت يوجين مسموعًا وهو يصيح به قائلًا: “توقف عن اللعب بأعصابنا وأخبرنا”.
“مؤخرًا، بدا بنجامين بالبحث بشكل مكثف حول اسم واحد، واندر مابيلين”.
ماذا؟
لما قد يبحث بنجامين عن واندر؟
شعرت بنبضات قلبي تتسارع بينما أحاول ربط الامور ببعضها البعض، وصوت السيد هيلبارت كان يتكرر في ذهني في هذه اللحظة.
عمن يبحث بنجامين في هذه اللحظة؟
واندر؟ أم الشخص الوحيد الموجود في حياة واندر. أتريوس!
*********************************************************************************************
بس
لوووف يو
باي

أخيييرا😭😭
ردحذفحماااااااااااااااااااس أخيراً نزل 💥💥💥💥💥😭
ردحذفواخييييييييرااا الحماس نااار 🍀🍀💜🌸
ردحذفبنجامين كنت متوقعة حركة خطيرة منه بس لدرجة انه توصل لواندر واتريوس هي صدمة
ردحذفبصراحة في ملاحظة صغيرة انتبهتلا بهاد الجزء بعيدا عن الاحداث انا قرأت الرواية من ٣ اسابيع وكأسلوب اكتر من رائع بصراحة لكن لاحظت بهاد الفصل تطور ملحوظ بضبط اللغة والقواعد ما شاء الله الله يقويك ويفتح عليك ويسلم ايديك ع هي الرواية الرائعة
والله تعليقك أسعدني جداااااا
حذفالفصل ممتع جدااا، خصوصا البداية😂😂😂😂😂
ردحذفاسراءءءءءء خاتمة الفصل؟.....ختمت عليي وقف قلبي 😭😭 + كارولوس ومقدرته على السفر بين المجرات!، هل هذا يعني أنه إذا في المستقبل جلنار تتمكن ترجع الأرض أو تزور اهلها؟..
يعطيكي الففف عافية الفصل تحفة ❤❤
صح تصدقي مفكرتش في حته انها ممكن ترجع تزور الارض بس تخيلي جت زارت الارض بتنين زي كارلوس البشر هيتصعقو
حذفأزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذفايه النهايه دي يا اسرااااء انا من الصدمه مش هعرف اتخطى يعني ايه ممكن اللفن يكون عرف 1٪من ماضي اتريوس او عرف حقيقته بمعني اصح لا لا يارب اللى في دماغي يكلع بطاطس بالمهلبيه
ردحذفبصراحه الفصل كله حماس يستاهل كل وقت كنا منتظرين نزوله تسلم ايدك بجد ع التحفه دي
ردحذفجلنار من صميبة لمصيبة متى ترتاح 😭😭
ردحذفرتابة مين بس ده الفصل بيولع حماس حرفيا ،كل حاجه منك بتحمسنا حتى الرتابة في الاحداث بتحمس
ردحذفانا هتجنن نفسي يقتلوا بنجامين ده
ردحذفالفصل تحفهههه بجد مفيش اي رتابه وبخصوص القفله جه في بالي اسم اتريوس بس قلت مستحيييييل سوو اتمنى يكون بيبحث عن واندر بس مش اتريوس 🙂🙂
ردحذفالفصل جميل وخفيف . هواي احداث اريد اعلق عليها لكن ملحوظة ان شاءالله ...تسلمي على تعبك وننتظر باقي الفصول❤️❤️❤️❤️
ردحذفالله يسعدك سعادة الدارين إسراء م قصرتتي
ردحذفو اخيررااا بعد غياب طويللل.. اقسم البارت و الاحداث تجننن و اشتقت للرواية و للابطال😭💗
ردحذفاسراء حبيبتي دي مش قفلة فصل صدقيني في حاجة غلط اكيد نسيتي تنقلي الجزء اللي فاضل ببكي بجد 😭😭😭😭
ردحذفبس ترا ظهور كل الشخصيات دي خلاني انهااااار م اتوقعت ظهور ايراكوس ابدا
ردحذفنترك التعليقات الصغيرة و ندخل ع الكبير، حقيقي حقيقي اشتقت، من اول ظهور اليف بعدين هارليك و جايدن و هاليبارت و الفرسان و اتريوس و حلاوة اتريوس مرورا بكارلوس و اركون و غابي و ايراكوس اللي كان الصدمة، مدري ابدأ من وين، بس م هتكلم عن لوكيان لان خلاص خفت بجد من ساعة معرفت ان لوكيان واحد غير اللي كان مبيقول انه مستني جلنار و انا حقيقي احس م في مبرر يخليني اشفق عليه و اقول مسكين يستحقوا اللي يسويه فيهم، بس حقيقي الاحلام دي مرعبة يعمري جلنار كل مترتاح لحظة ينغص عليها حياتها، ظهور هارليك يخي اشتقت مرة لحركاته و كلامه و حماسه حولين جلنار، بالنسبه لكلام اليف عن كاريان الوضع يحزن حقيقي يخي موضوع الايربوس دا صعب، احس حركة حلوة اوي ان يتم ذكر حياة جلنار القديمة و كلامها مع جايدين يعمري اعتقد انها كانت تحتاج حد يفهمها و يحكيلها الكلام اللي حكته لجايدين مسكينة البنت، الكلام اللي قالته لاليف حقيقي زعلت عليه بس عندهم حق بس في نفس الوقت جملة " القول اسهل من الفعل " تشرح كل شئ منقدرش نحكم على شئ مادامنا م جربنا و تحطينا في دوامته، هاليبارت الفصل دا وضحلي انه مش مجرد شخص عنده مشاكل سياسية مع النبلاء بسبب وقاحته و قوته الزايدة عن قوة البنلاء واللي بتهين كبريائهم طلع الموضوع اكبر من كده بكتير، لما يكون الموضوع مجرد افكار بختلف تماما لما يتقال فعلا، حقيقي لحظة ادراك كبيرة ان الحرب دي بتعتمد على اتريوس و ان دوره محوري بشكل مش طبيعي هو مش مجرد فارس هو الخلاص لكوكب كامل و شعب اتظلم بسبب اشخاص السواد ماليهم، ترا هيكون الموضوع صعب موووت لو كانوا النبلاء ورا كل اللي يصير يعني من اول الرواية الكلام كله عن سوء النبلاء انا قولت يمكن دا بيقتصر على تحكمهم في المملكة و سيطرتهم و انهم يمشوا كل حاجة على مزاجهم بس شكل الموضوع اكبر من كده لدرجة اشتراكهم في سبب الحرب من الاول و ان الانتقام دا منهم هما خاصه، بس لو الايربوس مظلومين فعلا ازاي مظهرش ليهم فارس زمان و ظهر ليهم فارس دلوقتي، دا معناه ان لو الايربوس مظلومين ان الفرسان التانيين حاربوا العدو الغلط؟، مشهد اتريوس و جلنار يا جماعة صياااااح م اتخطيت ولا هتخطى ولا هقدر حتى انا لسه محشورة مش هقدر اخرج ببكي بجد، لما قالها انه هيبقى رجل صالح علشانها يخي انهيااااااار، بالله كيف اتحملت و ما انهارت بين ايده و حضنها كمان يعمري يعمري يعمري ببكي بس لازم حد يفصلهم في النهاية ترا متأكدة ان رد فعل المدربة يمثلنا كلنا، ناخد نفسنا و نبعد عنهم شوية علشان اقدر اكمل حياتي لان قلبي خلاااص م عاد يتحمل، ظهور ايراكوس م كان متوقع ابدا، كل همي و انا اقرأ ان البارت م ينتهي قبل اعرف ايش بدها جلنار من ارتيانو، بس ظهور ايراكوس نساني ارتيانو تماما، اتوقعت من بنجامين يبحث عن اتريوس لكن واندر كانت مفاجأة بس مفاجأة منطقية جدا و دا يثبت ذكاء بنجامين حرفيا لانه عارف انه لو دور ورا اتريوس مش هيلاقي حاجة و ان الشخص اللي فعلا هيوصله لحقيقة اتريوس هي واندر الشخص اللي معاه ديما و بتقول انه ابنها حقيقي حقيقي حركة في قمة الذكاء متحمسه جدا اعرف جلنار هترد عليها ازاي، بس ملحوظة صغيرة م هقبل باي شكل كان ان يكون انكشاف حقيقة اتريوس يبقى على ايد بنجامين هنقهر فيها دي، محستش بان الفصل قصير بس مكنش بالطول اللي متعودين عليه، عموما تسلم ايدك، بجدد حبي ليكي و للرواية 💕💕💕
ردحذفيا جماعة ذكروني مين كان هاليبارت؟
ردحذفصراحة أنا أحب الفصول الرتيبة والهادئة بعد الأحداث المشتعلة، ويزيد من واقعية الرواية
ردحذفاحنا كقرآء متأثر بالأحداث اللي تصير في الرواية ونتعب نفسيا مع الأبطال، فهذي الفصول من وجهة نظري ومريحة لنا نفسيا وللأبطال
شكرا لك إسراء💗
والله شكد ما تتأخر الرواية وتطول بس تبقى اكثر شي ممتع بالنسبة ومستحيل اتحمس لرواية مثل توباز وأحداثها ومومنتاتها ، بالتوفيق بالكتابة والنشر
ردحذف