الرئيسية الروايات المقالات

الفصل الستون | بعض الأسرار.. يجب أن تُكشف!

جاري التحميل...

الفصل الستون | بعض الأسرار.. يجب أن تُكشف!

أريد أن اعيش حياتي كلها في الضوء، لا أود أن اختبئ وإن اخطأت، وإن فشلت، وإن كان بي خطب ما ! ثم أموت على ما أؤمن به.
حنان لاشين

المؤلف

                     السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


إفصاح: "اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.".

مساحة لذكر الله

*****************************
 
”لما بحق الله قد يبحث بنجامين عن واندر؟”.
“في الواقع، أنا هنا لأسأل السؤال ذاته”. لم أدرك أنني كنت أفكر بصوت مرتفع إلا عندما أجابني إيراكوس بسؤال مماثل.
“من بين جميع الفرسان، الشخصيات وأصحاب الشأن في المملكة، لما قد يحاول بنجامين البحث عن مربية منزل الفرسان؟” أردف وقد كتف ذراعيه معًا. نظر نحوي بجدية متابعًا سرد أسئلته: “هل هناك شيء يميز واندر بشدة لا يعلمه أحدهم؟”.
“لا!” 
توقفت لثانية مدركة إجابتي المندفعة، نظر الجميع نحوي بصمت غير مريح لذلك نظفت حلقي بسرعة مضيفة “أعني، الشيء الوحيد الذي يمكنني التفكير فيه.. لقد اعتادت إخبار الجميع انها قريبتي لذلك قد يبدو هذا سببًا؟”. حرك رأسه للجانبين غير مقتنع “قد يبدو الأمر صحيحًا إن حاول البحث عنها قبل إعلانك عن هويتك الحقيقة، لكنه الآن يعلم بالفعل من أنتِ، لذلك لا يملك أي حاجة في البحث عنها بسببك”. 
تبًا إنه محق.
“ربما يحاول الضغط علينا؟” عينه التي شردت بتفكير عادت نحوي مجددًا عندما كررت جملة يوجين الذي قالها بصوت عالي. 
صمت لثواني وكأنه يحاول ربط الفكرة بما يعرفه لذلك أردفت: “هكذا يعمل النبلاء! واندر شخص مهم لنا كثيرًا لذلك ربما يحاول استخدمها لضغط علينا”. كنت أحاول إقناع نفسي أكثر من محاولة إقناع إيراكوس. حك ذقنه وعلق: “أعني لقد كان من الواضح أن المرأة مهمة بالنسبة لكم، فقد سمعت أنك أوقفتي -بشكل عنيف- محاولة استدعاء النبلاء لها منذ مدة ولكن..” زم شفتيه بعدم اقتناع لعدة ثوانٍ يرتب وبدا كمن يحاول ترتيب أفكاره..
“هذه طريقة النبلاء، لا بنجامين، لن يقوم بنجامين بالتحرك واختطاف واندر او حتى أذية أحد من عائلتها للضغط عليها، بنجامين يعمل بقذارة ولكن بيدين نظيفتين دائمًا. هناك خيارين في موضوع كهذا..” رفع أصبعيه وحرك السبابة قائلًا: “إما أنه يحاول معرفة شيء سيء حول هذه السيدة حتى يتمكن من ابتزازها به أو..” حرك الوسطاء مضيفًا: “إنه يحاول الوصول لشخص آخر.. هدفه الأساسي ربما ليس السيدة واندر بل شخص آخر في حياة السيدة”.
تبًا.
في هذه اللحظة لا أنكر أن الفكرة خطرت ببالي.. أعلي إخبار أحدهم؟ إيراكوس شاب ذكي، ربما إخباره ستكون خطوة جيدة! 
ولكني أعود وأنظر لحالي.. هل أبدو بخير مع كل الأمور التي أعرفها؟ هذا الشاب يملك بين يده قضية كبيرة كفاية كالنبلاء.. لما عليَّ إقحامه في شأن الإريبوس أيضًا؟ أشعر برأسي يكاد ينفجر.
“ألا يمكننا محاولة الهجوم كدفاع؟ إنه بنجامين ألفن، لابد أن هناك تلالٌ من الأعمال القذرة التي يخفيها عن نفسه،
 إن تمكنا من تـ..” قاطع جملتي صوت ضحكة قصيرة صادرت من خلفي.
التفت نحو أرتيانو الذي لم يلاحظه أحدنا، قادم من الجهة التي يتواجد بها المنزل. مقحمًا كلتا يديه داخل جيوبه يحدق نحوي بنظرته الساخرة المعتادة “لا يمكننا فعل ذلك” ارتفع حاجبي لإجابته الحاسمة..
“يبدو أنكِ لا تدركين من هو بنجامين ألفن بعد جلنار..” 
أخذ نفسًا وتقدم نحونا “دعيني أعد بذاكرتك لأيامك الأولى هنا؟ أظننتِ أن تفاجؤ النبلاء بكِ وبكل شيء قمتِ بإنجازه كان لشخصيتك الفريدة مثلًا؟ أو كل مرة واجهتِ أحدهم بها، أظننتِ أن سبب فوزك كان لأنهم ضعفاء؟ حمقى؟ أم أن قادة هذه العوائل الغاشمة والماكرة لم يَمُرَ عليهم أحدهم يُشبهك؟”.
حدقت في وجهه، أفكر بجدية، فمهما كرهت هذا الرجل المثير للأعصاب، إلا أنه يعرف جيدًا ودائمًا ماذا يقول. إن فكرت في الأمر لطالما ظننت ان النبلاء حمقٌ متبجحين لم يظنوا أن أحدًا قد يقف في وجوههم، أشبه بصبي مدلل يسمع كلمة لا للمرة الأولى.
ولكن كلما عرفت أكثر.. وكلما تحدث الآخرين عنهم، لا يبدو حذرهم كحذر أحدٍ من صبي مدلل.
“لأنهم استخفوا بك” لم ينتظر أرتيانو أن يخمن أحدنا الإجابة فيبدو أنه ملول أكثر مما أظن “لقد بدوتِ بكل صراحة ضعيفة، لا تستحقين الوقت أو المجهود الذي قد يُبذل حتى لتفكير بمن أنتِ وكيف ستتصرفين، وما كان النبلاء ليضيعوا وقتهم في التصدي لشخص لا يستحق مجهودهم، هذا الاستخفاف أعطاكِ اليد العليا لبعض الوقت.. ولكنك أثبتِ نفسك كفاية حتى أصبحتِ تحت رادارهم”.
صمت لثانية قبل أن ينظر لعيني مثيرًا قشعريرة سيئة في جسدي “أتعلمين من الوحيد الذي لم يحاول النظر نحوك باستخفاف منذ اللحظة الأولى التي برزتِ فيها أمامه؟”.
أخرج يده من جيبه وشبكها خلف ظهره وتمشى ببطء في المكان وكأنه عجوزٌ في السبعين من عمره “بنجامين! أتعلمين لما تنظر نحوه المملكة كالفتى المدلل؟ ولا يعرف وجهه الحقيقي سوى أهدافه أو أعداءه الذين وقعوا في شباكه؟ لأنه ماهر جدًا بل يكاد يكون معلمًا في مجاله، لم أرى شخصًا عبقريًا كفاية تمكن من إقناع حتى أسرته شخصيًا أنه مدلل وأحمق مثل هذا الرجل. أتظنين أن بنجامين مهتم بالتباهي أمام سكان الحدود؟ أصدقتي أي تمثيلية قام بها من تبجح وتعاليّ؟ جلنار إنه عرض.. عرض يقوم به كل يوم فقط لإبعاد الأعين عنه وإن كان الرجل عبقري في التمثيل..”
 التفت نحوي وقال بنظرة جامدة ونبرة لا جدال فيها “فهو استراتيجي بارع بل مرعب.. في كل مرة تظنين أنكِ تتقدمين خطوة على هذا الرجل فهو يتقدمك خطوتين، إذا ما حاولتِ فقط التفكير أنك تملكينه بين يدك، فعلمي في هذه اللحظة انكِ خسرتِ ضده”.
تلك كانت ربما مرتي الاولى في رؤية أرتيانو بهذه الجدية! أن يصف شخص بغروره ونرجسيته شخصًا آخر بهذه العبقرية، فأنا أملك كامل الحق بالشعور بنوبة القلق التي بدأت تتصاعد داخلي الآن.
“إنه محق في كل كلمة قالها” التفت لإيراكوس الذي بدا وجهه أكثر قتامة فجأة وكأنه يعرف بل عاش كل كلمة ذكرها أرتيانو.
“تكمن قوة ذكاء بنجامين في فكرة واحدة يضعها أمام عينه، لم يتعامل بنجامين مع نفسه يومًا على أنه الرجل الأذكى في الغرفة، إنه مؤمنٌ إيمانًا تامًّا بأن الغرفة دائمًا تحتوي على شخصًا أذكى منه، ولهذا يمكنه دائمًا حماية نفسه بالحذر واتخاذ تدابيرٍ مضادة لأي احتمال قد يؤذيه”..
بنجامين؟ هل بدا لي هذا الشخص من قبل ذكيًا؟ ربما ماكرًا، لا يمكنني الاختلاف في هذا ولكن ما يُقال الآن يأخذ الأمر لأبعاد أخرى.
“ما الذي تحاول قوله إذًا؟” نظر نحو إيراكوس وأجاب “أعني أن رجل كهذا، لا يمكنك هزيمته، بسهولة على الأقل”. رفعت خصلات شعري عن وجهي قبل أن أدلك رأسي وقد بدأت أشعر بالصداع.
“إذًا، هل جئت فقط لإخبارنا كم أن من المستحيل هزيمة رجل كهذا؟” بدا إيراكوس ساخرًا ولكنني أعرف أن هذه السخرية تخفي خلفها قليلًا من اليأس “بنجامين بالفعل ماكر لا يمكن الاستهانة به ولكنه ليس بشخص من المستحيل هزيمته”. 
رفع أرتيانو كتفيه وتمتم: “لم أقل مستحيل..” ثم أضاف بصوت أعلى: “أخبرني إذًا ما هي طريقتك؟” تردد لثواني إيركواس وقد فتح فمه وأغلقه أكثر من مرة “أرأيت! لا تتبجح إن لم تكن تملك شيئًا بالفعل..” ظل إيراكوس يحدق في أرتيانو بصمت وكان بإمكاني بالفعل تخمين أفكاره.. لقد كنت في نفس المكان يومًا ما.
ولكن أرتيانو محق!
أكره الاعتراف بهذا ولكن الرجل لا يُطلق عليه عبقري لأجل لا شيء! إنه لا يحاول إغاظتنا أو التبجح، حتى وإن كانت طريقته تثير الرغبة في اقتلاع رأسه عن عنقه، لكنه يرينا طريقًا أو شيئًا أغفلناه.
بنجامين بالفعل لا يمكن التصرف ضده بعنف، ولكن أيضًا لا يمكن ابتزازه بسهولة!
“لما لا تشاركينا ما تفكرين به” أجفلت من شرودي نحو أرتيانو. حدقت في الموجودين ببعض التردد ولكن في هذه اللحظة، لا أظن أن فكرتي مجنونة تمامًا وسط هذه المعمعة.
“ربما عوضًا عن ابتزازه.. علينا معرفة دوافعه”. نظرات الأغلبية كانت مشوشة عدا أرتيانو الذي بقي ينظر نحو بهدوء وإنصات “ألا تبدو دوافعه واضحة بالفعل؟” علق إيراكوس ليشارك يوجين: “إن الرجل يكره الفرسان ككل نبيل، لا أظن أن دوافعه لعب الغميضة معكم”.
عدم تعليق أرتيانو كان المشجع الأكبر لأشرح: “لسبب غريب، أحيانًا لا يبدو لي بنجامين كشخص يملك أي انتماء للنبلاء.. يبدو أكثر كشخص لا يحب ولا ينتمي إلا لنفسه، لذا لا أظن أن بحثه وتقصيه هو فعل دافعه إفادة النبلاء أو عائلته”.
“لم يبدو لي هكذا وهو يتبجح في السوق” علق يوجين متمتمًا.
“في الواقع، يبدو كلامك منطقيًا، لم يستعمل بنجامين مرة واحدة في حياته أشخاص مُجندين من قبل عائلة ألفن، إلا إذا ما أراد إثارة جدل أو مسرحية للعلن، ولكنه فجأة وبصمت يبدأ في تأجير أشخاص لا علاقة لهم بأي عائلة نبيلة.. وفي العادة يُغير دائمًا الوكالة التي يُأجر منها الأفراد لذلك كان من الصعب تتبعه” فسر إيراكوس مما دفعني للاستفسار: “وكالة؟”.
أومأ مجيبًا: “أنها أماكن مخفية في جميع أنحاء المملكة، أماكنها، من يديرها وحتى من يعمل فيها.. جميعها معلومات مخفية لا يمكن الوصول لها بسهولة. إنها أماكن تدعم عادة الأعمال غير القانونية، يمكن للشخص تأجير من يريد لتنفيذ عمل ما في الخفاء، وفي الأغلب تستخدم إما لجمع المعلومات أو لقتل هدف ما.” قتلة مستأجرين!! لما أنا متفاجئة؟
“ولكن ما لم أفهمه، حتى وإن علمنا دوافعه، في ماذا قد يفيدنا الأمر؟” سأل إيراكوس ويبدو أن ابتسامة أرتيانو الجانبية الصغـــيرة كانت كفيلة بأخباري أنه قد قرأ أفكاري بالفعل.
“معرفة دافع الشخص يمنحك أسبقية الدفاع ضده، ما يُخيفنا ضد بنجامين هو أننا لا نعلم أسبابه، وربما إن كانت أسبابه لا تتعارض معنا أو تعرضنا لأذية ربما..” سكت قليلًا أدرك الاعتراضات التي قد أسمعها “ربما نعرض عليه بعض المساعدة!”.
“المعذرة؟”.
“أجننتِ؟”.
زمجرة
لماذا بحق الله يعترض كارولوس أيضًا؟  
نظرت بطرف عيني للشخص الوحيد الذي لم يعترض وشعرت ببعض الراحة، فجسده المستريح ضد جذع الشجرة خلفه وعدم سخريته الطبيعية كانت دليلًا أن تفكيري في محله.
أو أن الرجل فقط يحب رؤية محاولاتي الحمقاء.
على أي حال رفعت كفي أُهدأ المعترضين وبررت “ربما.. فقط ربما صغيرة، قد يكون دافع بنجامين لا يمسنا نحن بسوء، ربما هناك احتمالية صغيرة تخصه، مكسب شخصي أو.. لا أعلم فضول لسبب ما، لذلك ما أحاول شرحه إن كان هذا الاحتمال الصغير جدًا موجود، لما لا نعرض عليه المساعدة؟” قاطعني إيراكوس بنبرة سؤال لا إجابة: “ثم نخدعه؟”.
“لقد قلنا للتو أنه من الصعب خداع المخادع، نحن سنحاول كسبه، لبعض الوقت، العدو الذي لا يمكنك هزيمته، قم بكسبه، رجل ذكي كهذا، داخل صفوف النبلاء قد يكون مفيدًا أكثر من كونه عقبة”. 
خرجت ضحكة قوية من إيراكوس دفعتني لدحرجة عيني، أعلم أن الأمر صعب ولكنه ليس مستحيلًا.
“أنه لأمر مستحيل جلنار، بنجامين لا يملك أي نية ولن يملك نية ليكون في صفنا”. حسنًا يبدو أن الأمر بالفعل مستحيل.
“صاحب الوشاح محق، من الصعب أن تقنعي رجل مثله لمساعدتك ولكنك لستِ مخطئة أيضًا..” عدل أرتيانو من وقفته وأردف: “إعطاءه ما يريد سيكون أسلم حل لتجنب لدغته” ابتسمت ببعض الأمل قبل أن يضربني الإدراك ثانية.
إنه يبحث عن واندر! ما الشيء الذي قد يريده بنجامين والذي لا يمسنا بضرر بينما يبحث عن واندر؟ لما أشعر أنني فقط أحاول الالتفات حول الموضوع حتى أُهدئ نفسي؟
“على أية حال، تابع مراقبته في الوضع الحالي ولا تدعه يكتشف أمرك، لا داعٍ لإزعاج الآخرين بهذا الأمر حاليًا، فبعضهم يملك ردود فعلًا قد تؤذينا أكثر من بنجامين نفسه..” لما أشعر أن هناك بعض التُهم تُرمى في الأرجاء؟ في الواقع عليَّ التأكد فنظرات ارتيانو الجانبية نحوي كانت إثبات كافٍ.
“ثم ماذا؟” التفت ناحية إيراكوس الذي بدا مشوشًا “إن حاول فعل شيء ما فجأة..” قاطعه أرتيانو: “قم بإبلاغنا، سيكون هذا كافٍ، اكمل عملك كما كنت تفعل واترك أمر أبن ألفن لي.. أو لنا بشكل أصح”. كاد حاجباي يلمسان مقدمة رأسي، أجمعني لتو معه في عمل واحد؟ هل هو بخير؟
توقف إيراكوس وبقي فمه مفتوحًا بينما يحدق في ظهر أرتيانو الذي التفت مغادرًا المكان معلنًا بكل وقاحة أن حديثه انتهى.
“لما استمعت له للتو وكأنه رئيسي؟” تمتم إيراكوس وقد ظهر التشوش عليه، ضحكت على تعبيره وأجبته: “إنه أحد العباقرة، بل على ما أتذكر أنه بدى مقربًا جدًا من ملك مملكته لذلك..” أخذت نفسًا وتنهدت باستسلام “مهما شعرت في رغبة لاقتلاع لسانه ولفه حول قدمه وتعليقه رأسًا على عقب فوق جذع شجرة عالٍ، لا زال في نهاية اليوم محقًا في كل كلمة قالها”. 
ارتفع أحد حاجبي إيراكوس وسخر: “يبدو لي وصفًا دقيقًا جدًا، لا أظن أنكِ قضيتي معه وقتًا سعيدًا”. أنت لا تملك أية فكرة.
“على كل حال، شكرًا لمجيئك شخصيًا لتحذيري إيراكوس”. عادت الابتسامة على وجهه وأجاب: “بكل تأكيد، فقد بدت السيدة مربية المنزل مهمة جدًا لكِ بشكل خاص”. ليس لي فقط في الواقع. 
“ولكن لأكون واضحًا فمجيئي إلى هنا لم يكن فقط لأجل تحذيرك”. نجح في اثارة اهتمامي بجملته، لذلك رميت نظرة سريعة نحو يوجين وإليف قبل أن أسأل: “ماذا تقصد؟”. زم شفتيه لثواني وكأنه يقرر إن كان عليه قول ما يريد.
“لقد كنت أفكر إن كان من العادل نوعًا ما أن تعرفي السبب الرئيسي الذي يدفعني لفعل ما أفعل، لكن لا أدري إن كانت معرفتك للأمر ستساعدك أم فقط ستزيد من الخطر المحيط بك، لقد شعرت بشجاعة كبيرة للقدوم إلى هنا اليوم وحزم قراري ولكن..” سكت لوهلة وحدق في وجهي ببعض الأسى الذي لم افهم سببه إلا بعد جملته..
“بعد النظر مرتين في وجهك، لا أعلم أن كان من العادل إشراككِ في أمر قد يضعك في خطورة أكبر، أعلم هذه النظرات جيدًا، لقد رأيتها من قبل مرتين، لذلك يمكنني إدراك كم كانت الأيام الأخيرة صعبة لشخص مثلك” تقدم واقفًا أمامي مباشرة وقد اختفت ابتسامة المواساة عن وجهه وقال: “لذلك سأترك القرار لك، إن أردتِ معرفة كل شيء تكفيني رسالة واحدة منك جلنار روسيل، سأبوح لك بكل ما يمكنني البوح به”.
حدقت بنظرته الصادقة والتي لسبب ما أشعر أن خلف هذا الصدق الكثير من لحظات التردد.
لا يمكنني إنكار فضولي القاتل لاعتصار كل معلومة منه والآن وربما أكثر ما يعبر عن هذه الرغبة هي توسلات يوجين من خلفي والتي تكاد تكون أشبه بصراخ يائس يتوسلني لأعرف كل شيء الآن.
ولكن، إنه محق، أنا متعبة حد الجحيم، أشعر أن الأسرار والمعلومات تثقل كاهلي أكثر من الحرب نفسها، أريد معرفة كل شيء وعلى الرغم من ذلك.. شيء ما يخبرني أن القرار الصحيح هو الانتظار حتى أفرغ مما في يدي من مهمات أولًا.
لذلك تنهدت وأومأت لإيراكوس قائلة: “مجددًا، ممتنة لقرارك في مصارحتي، أيمكنك انتظار الوقت المناسب لي؟” تزامنًا مع صيحة يوجين المغدورة ارتسمت ابتسامة مشاكسة على وجه إيراكوس وأجاب: “بكل تأكيد، حظًا موفقًا”.
 أومأت شاكرة وشاهدته يلتفت متجهًا حيث ترك مركبته ولكنه التفت فجأة وهو يسير بشكل عكسي وصاح: “بالمناسبة، في هذه الأثناء، أجهز مفاجأة صغيرة لأعزاءنا النبلاء لذلك..” لوح بيده وأردف بصوت أعلى حتى أسمعه بينما يبتعد “إن كنتِ في حاجة لانتباههم مشتتًا عنك، فهذا هو الوقت المناسب لفعل ما تريدين”.
اتسعت ابتسامتي ولوحت له كشكر أخير ليلتفت ويهرول بعيدًا عنا.
“جلـــــنار أتمزحين؟”. 
دحرجت عيني واتجهت نحو آركون أربت على رأسه متجاهلة يوجين “لما لا تتركيه يبوح بكل شيء الآن؟ لما علينا أن نجعل كل شيء أكثر غموضًا مما هو عليه؟” عيني اتجهت في نظرة سريعة نحو إليف الصامت من البداية، ابتسامته الصغيرة ونظرة الرضى على وجهه كانت دليلًا قوي على اتخاذي القرار الصحيح.
رفعت يدي عن رأس آركون ودفعت رقبة كارولوس الذي لم يتوقف عن محاولة عض كتفي “يوجين، أنا لم أرفض الاستماع إليه، انا فقط أجلت الأمر”. مسح وجهه صائحًا بتذمر: “ولما علينا تأجيل معرفة كل شيء؟ إن كانت هناك فرصة لمعرفته الآن؟”.
“لأن..” منعت نفسي في اللحظة الأخيرة متذكرة أن يوجين أحد الأشخاص الذي أخفي عنهم أكبر سر عرفته حتى الآن. “لأن هناك الكثير على عاتقكما، معلومة أخرى قد تساعد لاحقًا لكنها قد تعقيكما حاليًا”. كنت ممتنة لتدخل إليف أخيرًا لأتنهد براحة.
لم يبدو على وجه يوجين أي اقتناع لأنه ظل يحدق بكلانا بتعابير حمقاء متمتًا: “ما الذي يجب أن يعنيه هذا؟”.
لحظة!
اتجهت عيني بسرعة نحو إليف وفكرة سيئة -ربما- تدور في خلدي، إن كان هذا الرجل يظهر ويختفي كما يريد أمامنًا.. أيعقل أنه يعرف.. كل شيء؟ 
نظر نحوي في المقابل ووضع ابتسامة لطيفة على وجهه مما دفع سؤال آخر لرأسي.. من هو هذا الرجل حقًا؟ 
أجفلت عندما دفع كارولوس رأسي بخفة يحاول جذب انتباهي نحوه، دفعت قدمه الخلفية التي كانت تحاول بشكل خفي دفع آركون النائم فوق قدمي “توقف عن التعامل بصبيانية” قلت من بين أسناني ليلقي بكامل وزن رأسه على كتفي بلا مبالاة.
“على أي حال، ذكريني مجددًا لما نحن هنا؟” سؤال يوجين ذكرني بالسبب الأساسي والذي نسيته، أزحت رأس آركون النائم عن قدمي بخفه ليفتح عينه ويحدق نحوي بأعين ناعسة ونظرات متذمرة “لا يمكنني البقاء هنا طيلة الوقت” مسحت فراء رأسه ليصدر خرخرة لطيفة وينهض في نية ليتبعني.
“هل يبقى الأحمقان يتقاتلان على اهتمامك طيلة اليوم؟” قُوبل سؤال يوجين بزمجرة منزعجة من كارولوس الذي التفت نحوه نصف التفاته، تراجع يوجين مباشرة قائلًا: “دُعابة يا رجل، لا تكن جدي”. 
دحرجت عيني وتحركت نحو المنزل وهذه المرة قرر إليف انتظارنا في الخارج وعندما سألناه عن السبب ابتسم وحثنا على الذهاب فحسب.
وفي الواقع لم أكن أمانع كثيرًا الأمر فنوعًا ما، أحتاج بعض الوقت مع يوجين لترتيب أفكاري.
نظرت لكارولوس وآركون السائران بجواري “أتنويان الذهاب معي طيلة الطريق حتى المنزل؟ لدي الكثير لفعله لن أبقى هنا كثيرًا” حدق كارولوس نحوي بأعين تدعي البراءة لثواني قبل أن يركل بقدمه الخلفية آركون بخفة، أجفل الأخير وبسرعة تحولت عينه الناعسة لأخرى واسعة تحدق بي كالقطط.
أكان يدربه كيف يفعل هذا؟ 
تنهدت باستسلام هامسة “تبًا لكما” والتفت في طريقي ليتبعني كلاهما، بسعادةٍ يمكنني استشفافها من كارولوس بوجه الخصوص.
“يوجين” جذبت انتباهه ما إن ابتعدنا عن مكان تواجد إليف، همهم كإجابة لأميل نحوه وأسأله بصوت منخفض، وكأنه قد يكون حولنا وقادر على سماعي “هل تساءلت يومًا عن هوية إليف؟”. زم شفتيه قبل أن يرفع كتفه بلا اهتمام مجيبًا “لا، رجل ربما مات ويظن نفسه حكيمًا والتصق بنا”.
إنه غبي لا يرجى منه فائدة.
تنهدت وكدت أكمل طريقي ولكن يوجين توقف عن السير فجأة وحدق بوجهي “من يكون هذا الرجل فعلًا؟”. الآن فقط تشعر بغرابة الأمر؟ 
“هذا ما أحاول قولة” همست بعصبية. الاعتياد على الاحداث غير الطبيعية من حولي جعلت تدخل شبح حكيم في حياتي أمرًا مسلمًا به لدرجة لم تدفعني للتساؤل بجدية بيني وبين نفسي حتى.
“إنه يظهر ويختفي، هل ذكر أنه ميت حتى؟” سأل يوجين لأحاول التذكر، لقد أخبرنا أنه حي ولكنه قادر على الانفصال عن جسده “كل شيء متداخل داخل رأسي لدرجه تجعل تذكر الفرق بين ما قال وبين ما استنتجته صعبًا” همست وأنا أحك رأسي بحيرة.
“يوجين..” توقفت عن السير عندما قفزت في رأسيي فكرة سيئة، سيئة جدًا “ماذا إن كان عدوًا؟”. العقدة بين حاجبي يوجين كفيلة بإيضاح عدم فهمه لذلك فسرت “إن ذهبت لمجموعة لا تعرفني من الإريبوس وتظاهرت بأنني حكيمة غامضة وألقيت بعض النصائح لهم، أكان أحدهم ليشك أنني حتى من الإلترانيوس؟”.
اتسعت عين يوجين بإدراك “أتعلمين ما المؤلم؟” حركت رأسي جاهلة ليجيب: “أول إجابة خطرت لي كان: إن كانوا مجموعة من الحمقى لما ساورهم الشك”. حدق كلانا بالآخر بصمت قبل أن التفت مكملة طريقي نحو المنزل دون إضافة كلمة أخرى ولكني متأكدة أن كلانا تشارك الفكرة نفسها.
نحن على مستوى آخر من الغباء.
لا يمكنني فجأة استبعاد إليف عن الصورة، مازالت تلك نظرية ليس إلا، وسواء كانت حقيقة أم لا، حتى أتأكد منها من المفيد ترك الرجـ.. أو الشبح بجوارنا ولكن مع أخذ حذرنا، ابقِ أصدقائك قريبين وأعدائك أكثر قربًا أو ما شبه.
ما إن فتحت باب المنزل غمرني شعور قوي بالأُلفة وكأنني غبت عن الديار أعوامًا! 
لسبب ما صاحبت هذه الراحة غصة سيئة أعرفها، أكره هذا الشعور بالأُلفة، في الواقع أريد أن يبقَ المكان غريبًا لي.
تنهدت ومسحت عيني المكان بسرعة، هادئ وفارغ، لقد اعتدت رؤية واندر إما واقفة في المطبخ أو جالسة على الأرائك تقرأ شيئًا ما.
أين ذهب ذلك القزم؟ لقد تركنا فقط منذ دقائق!
تحركت للأعلى تاركة كل من كارولوس وآركون ينتظران في الخارج. 
“إيــاك”. صحت دون الحاجة للالتفات ورؤية وجه كارولوس الذي يحاول دفسه من خلال الباب الشبه مفتوح “واندر ستقتلني إن دخل إحداهما المنزل.
صعدت الدرج للأعلى ولم أكن في حاجة لتذكر أين تقع غرفة أو مكتب أرتيانو لأنني لاحظت فورًا التغيير في الطابق الثالث لذلك من الواضح أن الباب الجديد هو الباب الذي أريد.
قرعت ثلاث مرات قبل أن أسمع صوته يسمح لي بالدخول بعد ثوانٍ من الصمت.
الغرفة الواسعة استقبلتني، رفوفها ممتلئة حتى النهاية ويتوسطها مكتب بني اللون، ذو خشب متين وضخم الحجم جدًا وفي كل زاوية طاولة معينة لشيء ما يعمل عليه.
“ماذا تريدين”. توقفت عن التحديق في المكان ونظرت لوجهه الجامد وهو جالس فوق كرسيه ذو القدم الطويلة -جدًا- وبين يديه لوح ٌذو صورة زرقاء مجسمة.
“لقد أخبرني هارليك أنك أنهيت تدريبك!”. حاولت بدأ الحديث بطريقة ما ولكنه قابلني بالصمت ورفع إحدى حاجبيه.
“ستكون محادثة سهلة بكل تأكيد” تمتم يوجين وبدأ كعادته يجوب المكان يتفحصه براحة ووقحة بعض الشيء.
“فقط للمعلومية، آرنالدو هيلبارت وافق على تدريب الفرسان في الأكاديمية إن كنت مهتمًا” يده التي عادت للعمل على الأوراق فوق مكتبه توقفت فجأة في المنتصف وارتفعت عينه نحوي “وافق؟” كرر بتعجب شبه واضح لأومئ “ربما يهمك الأمر” علقت ليزم شفتيه ويومئ برأسه بصمت.
“لما أنتِ هنا جلنار؟” سأل بشكل مباشر دون النظر نحوي. على قدر احترامي له، اريد قذفه من النافذة بسرعة “أردت مساعد..” 
“لا”.
إلهي الرحيم. “أنت لا تعرف بعد ما الذي أحتاجه” لم يرفع عينه نحوي حتى! سأل بسرعة “ماذا تحتاجين؟”. ابتسمت بأمل “بعض الملابس التي تتغير حجمها لهارليك، بحيث تتوافق مع حجمه عندما يتضخم وعندما يعود لطبيعته”.
“لا”.
“لما جعلتني أخبرك إذًا إن كنت سترفض؟” صحت بعصبية.
“حتى أرى هذه التعابير الساخطة على وجهك”. سأقتله.. أقسم بالله أني سأقتله أبن الـ..
“لما بحق الله قد ترفض مساعدة صبي لطيف كهارليك؟” ترك الورق من يده ورفع عينه نحوي أخيرًا “لأن تغطية مؤخرته ليست أمرًا قد أضيع وقتي عليه بينما هناك الكثير من الامور الأكثر أهمية التي عليَّ فعلها، لن يموت الفتى أن تمزقت ملابسه”.
تذكرت كيف بدا محرَجًا بسبب تلاعب ثونار به لأتمتم “ولكن كبرياءه سيفعل”.
ظللت أحدق بوجه أرتيانو الطفولي ولكن الجاد جدًا بشكل غريب بينما ظل هو مشغولًا بالأوراق فوق مكتبه، ألا يمكنني إقناعه أبدًا؟ لقد وعدت هارليك.
هذا يثير الإحباط حقًا.
تنهد بقوة وألقى الأوراق من يده، رفع رأسه نحوي لأقوس شفتي للأسفل بسرعة هامسة: “من فضلك”. ارتسمت تعابير التقزز على وجهه بالكامل وصاح: “لا تحدقِ بي هكذا وإلا ستتحول نسبة موافقتي من واحد إلى صفر من مئة”.
دحرجت عيني وشتمته بين أنفاسي، لقد كانت تنجح دائمًا مع أتريوس!
“لا تنتظرِ مني شيئًا، إن وجدت الوقت المناسب سأنظر في الأمر” اتسعت عيني وصرخت مع يوجين في الوقت نفسه “بجدية!”.
نظر بحدة وأشار نحوي بقلمه “لقد قلت -إن- وجدت وقتًا، ولا تعتمدِ علي في صناعة شيء ما، إن رسمت مخططًا فأطلبي صناعة الأمر من الأحمق المهووس بحبيبته”. أوه! يقصد لافيان؟
أومأت برضى تام ليتمتم: “سأندم على هذا”. 
كدت التفت مغادرة ولكنني توقفت في مكاني، هذا ليس طلبًا بل سؤلًا.. لا ضرر من التجربة.
التفت نحو أرتيانو مجددًا لأسمع تنهيدته بينما يغلق عينه بنفاذ صبر، تجاهلته تمامًا واتجهت نحو مكتبه ليعقد حاجبه باستغراب محدقًا بوجهي الذي اقترب منه.
ازحت ضفيرتي عن جانب عنقي وأشرت نحو العلامة على رقبتي لتتبدل تعابيره لثواني ويرتفع حاجبه “لابد أنك لاحظتها من قبل” علقت ليحدق بها قبل أن ترتسم ابتسامة صغيرة تكاد تلاحظ على وجهه وعلق: “لم أنتظر سؤالك عنها”. ماذا يقصد؟
“إذًا، عندك فكرة عما تعني؟ أهي العناصر الأربعة؟ وماهي الكلمة المكتوبة في المنتصف؟” مر صمت موتر بيننا، حتى يوجين لم يتجرأ على النطق بحرف واحد.
“البعض يظنها كذلك”.
 أملت رأسي بعدم فهم، شبك يديه معًا وأسند ذقنه ضدهما مردفًا: “في الواقع، أنا متفاجئ أنكِ لم تري هذا الرمز من قبل داخل القصر الملكي، أو حتى قصور النبلاء” ارتفع حاجبي حتى كادا يلامسا مقدمة رأسي “أهذا الرمز موجود بالفعل؟” أومأ برأسه وتمتم: “بالطبع لم تلاحظِ”. يمكنني اشتمام السخرية في جملته من أميال.
“اذا؟ ما الذي يعنيه؟” سألت ليتحرك كرسيه لوحده فجأة نحو أحد رفوفه الكثيرة المحفورة داخل جدار الغرفة، ارتفع الكرسي لأعلى ليلتقط مجلدًا ثقيلًا.
عاد لطاولة المكتب وفتح المجلد الذي احتوى على وثائق عديدة “ظننتكم تعتمدون تلك اللوائح لتسجيل المعلومات” علقت مشيرة بعيني على اللوح الموجود على مكتبه.
“لا أثق بهم” أجاب باقتضاب بينما يسحب أحد الأوراق من المجلد. نقر بإصبعه فوق الورقة وقال:” الرمز بحد ذاته غير متعارف عليه كثيرًا، إنه أشبه بشيء أثري وجِدَ محفورًا على أماكن متفرقة، لذلك أُحتفظ به كتُراث لجيل بعد جيل” نظرت للورقة بين يده ولكنه أمسك باللوح الشبه زجاجي ووضع الورقة تحته قبل أن ينقر بأنامله فوق اللوح لتخرج صورة الورقة مجسمة بالكامل أمامي.
العديد من الصور التي تم التقاطها لأماكن متفرقة نُقش فوقها الرمز ذاته، الأربعة دوائر المتداخلة. أسفل كل صورة كُتب أسم منطقة ما.
“هذه الصور التي ستظهر على الشبكة ما إن حاولتِ البحث عنها، وهذه..” سحب بأصبعه السبع صور المجسمة جانبًا ووضع ورقة أخرى تحت اللوح الزجاجي والذي يعمل الآن كمساحٍ ضوئي أكثر من كونه لوح.
نظرت للصور التي ظهرت على الورقة الجديدة، عقدت حاجبي أحاول إيجاد الفرق، بدلت نظري بين الصور الجديدة والصور السابقة المتراصة جانبًا، إنهما متماثلتان تمامًا ولكن..
“أيمكنك رؤية الفرق؟” سأل بابتسامة جانبية.
“الكلمة!” صاح يوجين وتمتمت أنا بالشيء ذاته، فالصور الأولى ليست إلا صور للأربعة دوائر المتداخلة بينما الصورة الأخرى لذات الاربع دوائر في ذات الامكان ولكن الكلمة التي تتوسط الأربع دوائر محفورة في المنتصف.
“هذه الصور.. لا يمكن إيجادها في أي مكان على الشبكة مهما حاولت البحث عنها، ربما حتى لا يمكنك إيجاد نسخة مادية لها، قد تكون هذه النسخة الأخيرة لها”. التفت نحوه بسرعة وسألت: “كيف حصلت عليها” اتسعت ابتسامته الجانبية “أملك طرقي الخاصة، الاهم هو لماذا..” إنه محق!
لما قد يعبث أحدهم في صور أثرية حتى يمسح كلمة غير مفهومة؟
وكأن أرتيانو قرأ افكاري لأنه علق “ليست الصور الوحيدة التي عُبث بها.. إن حاولت البحث عن هذه الدوائر الأربعة في الحقيقة حيث يُفترض أنها منقوشة، لن تجدِ في منتصفهم أي كلمة، ولكن في المقابل...” وضع صورة أخرى تحت اللوح قبل أن يسحب بأصبعه في الهواء لتكبر الصورة المجسمة يردف: “هذا ما ستجديه..”.
للوهلة الأولى.. يبدو وكأنه نقش للرمز فحسب ولكن ما إن كبر أرتيانو الصورة متلاعبًا في إضاءتها، كان من الواضح جدًا رؤيته، الخدوش والضرر في منتص النقش! أحدهم قام بإتلاف النقش عن قصد حتى تُمسح كلمة واحدة!
هذا لا يجيب شيئًا بل يزيد الأمر تعقيدًا فحسب!
“فقط لأنك سألتِ بأدب” تمتم مستمتعًا بالتشوش على وجهي ثم فرش جميع الأوراق في مجلده على الطاولة وقال: “هذا الرمز يُعتقد الآن أنه رمز آخر يدل على استخدام العناصر الأربعة وقوتها الجبارة والتي دائمًا ما ميزت الإلترانيوس ولكن..” سحب ورقة ً أخرى ووضعها أسفل اللوح لتتغير الصورة المجسمة.
“هذا الرمز لم يظهر فقط في الإلترانيوس.. لقد ظهر بشكل مميز داخل مملكتان مختلفتين أيضًا” نظرت للصور حيث تشير الأسهم لرمز المنقوش على جدار صرح كبير وكتب تحتها بوضوح ’الماجي’ والصورة الأخرى كانت أشبه بلوح صخري ضخم نُقش عليه الرمز.. ولكن الاسم أسفل الصورة سبب في اتساع عيني..
“أتمازحني!” علق يوجين وقد كان محقًا في دهشته “الإريبوس!”.
كدت أشعر بعنقي يُكسر لقوة التفاتي نحو أرتيانو والذي للمرة الأولى منذ أن تقابلنا رأيت تعبير أشبه بلذة استمتاع على وجهه.
“كيف وجدت هذه الصورة؟” سألت بسرعة لكن كعادته، أقحم يده داخل جيبه ورسم ابتسامة باردة على وجهه وتركني بلا إجابة.
أعدت أنظاري لصورة، الرمز ذاته، وهذه المرة، الكلمة المجهولة في المنتصف محفورة بوضوح.
“إذا تريد إخباري أن رمز اختياري كفارسة موجود بشكل مجهول كنقوش أثرية في ثلاثة كواكب مختلفة؟”. تلقائيًا تلمست الرسم على عنقي بأطراف أناملي أشعر بقشعريرة غريبة تسري في جسدي.
“ليست أي ثلاثة كواكب.. إنها أقوى ثلاثة كواكب” علق جاذبًا انتباهي لنقطة أخرى، مما دفع صورة لهرم القوة الذي رأيته منذ يومي الأول هنا مع واندر.
الإلترانيوس
الماجي - الإريبوس.
الثلاثة كانوا في المقدمة دائمًا.
“لذا الرمز لا يمت بصلة للعناصر الأربعة” لم أكن أسأل بل أشبه بتأكيد أضيفه، صوت طرقعة أصدرته أصابع أرتيانو وقال ساخرًا: “حمدًا لله على سلامة وصول المعلومة” دحرجت عيني وتجاهلت تعليقه الساخر.
“رائع اكتشفنا شيء يقودنا مباشرة للغز آخر، يال الفخر” صفق يوجين بحرارة وكدت أشعر برغبة في ترك الغرفة لتعليقاتهما اللاذعة وأخرج من هنا فورًا.
لكن يوجين محق نوعًا ما. ما الذي يعنيه هذا الرمز إذًا؟
وكأن أرتيانو قرأ السؤال على وجهي لأنه طرق بأصبعه فوق أحد الأوراق وبدأ يشرح وجهة نظره باندماج:
“وجود الرمز في أكثر من مملكة يبعد تمامًا احتمالية المعنى الأولى وهو العناصر الأربعة، لذلك عليك النظر للمجهولين الآخرين في المسألة، أولًا:..” رفع أصبعه السبابة مردفًا: “لما بالذات في هذه الممالك الثلاث؟ لقد تم البحث بشكل متقن عن أي رمز مشابه في الممالك المتبقية ولكننا لم نجد لها أثر، لذلك الأمر مرتبط بهذه الممالك تحديدًا، ثانيًا:..” رفع أصبعه الأوسط وأكمل:” لما بالذات قد يحاول الإلترانيوسيين تشويه الرمز وإعادة نقشه بذات الطريقة ولكن متجاهلين عنصرًا واحدًا..“ تمتمت معه في الوقت ذاته: “الكلمة الغريبة في المنتصف”.
أومأ برأسه راضيًا.
“اذًا لما قد يحاول الإلترانيوسيين بشدة ربط هذا الرمز بمملكتهم، ألم يكن من السهل تجاهله واعتباره نقشًا أثريًا قديمًا؟ هل تحاول الساحرات أيضًا نسب الرمز لهن؟” ارتفع حاجبه فجأة ونظر نحوي وكأنه لم يتوقع حتى سؤالي..
“ملاحظة ذكية من حمقاء” تمتم مسببًا تشوشي، أعلي الفرح لان ملاحظتي ذكية أم أشعر بالإحباط لأنه مازال يظنني حمقاء!
“في الواقع، لم تحاول مملكة الماجي نسب الرمز لها أو حتى التحدث عنه، إن أردت وصف الأمر بكلمة فربما ’ التجاهل’ هي الكلمة الصحيحة” كررت باستغراب “تجاهل؟”. أومأ وفسر: “للمرة الأولى قد تظنين الأمر عادي، مجرد رمز أثري قديم لا يعني شيئًا لذلك لم يتم منحه أي اهتمام”.
“لكن الأمر ليس بهذه البساطة كالعادة” علق يوجين بينما يتفحص الأوراق على المكتب بعينه ويردف متمتًا: “ملاحظات الكاتب ذكية حقًا”.
“لكن الحقيقة الغريبة هي أن الساحرات يتمتعن بفخر قوي بتاريخهن وكل ما يخصهن، بل ويولين اهتمامًا خاصًا بتاريخهن، فبسبب نظام حكمهن على كل ساحرة أن تتعلم جيدًا من أخطاء سابقتها حتى لا يتم التخلي عنها” لذلك كيف بحق الله يمكنهن تجاهل رمز كهذا؟ إلا إذا..
“يبدو أن الفكرة وصلت” قال ساخرًا وهو يراقب تعابير وجهي بطرف عينه “لقد أردن من الأمر أن يبقى طي النسيان” قلت ليومئ برأسه ويلتقط بيده ورقة أخرى ويضعها أسفل اللوح حتى تتحول لنصوص وصور مجسمة حولنا.
“لقد وجد الرمز في عشرة مواقع مختلفة على كوكب الماجي وفي كوكب الإلترانيوس، تم إيجاده في واحد وعشرون موقعًا، أما الإريبوس..” نظرنا نحو صورة الكوكب المظلم وقد طافت حوله رمز استفاهم عوضًا عن عدد “لا نعلم تمام المعرفة أين مواقع تواجده، ولكن خلال بحث عميق تأكدت من وجود ثلاثة صور قدميه من كوكب الإريبوس لهذا الرمز، أحدها كان رسمًا يدوي لجدار كهف ما نُقش الرمز ذاته عليه”.
التفت انظر نحوه وسألت بسرعة: “تأكدت؟ أقمت بالبحث عن الأمر بنفسك؟” صمت لثوانٍ قبل أن يتنهد مدلكًا ما بين حاجبيه “لمن تظنين هذا المجلد بحق الله؟ لمن تظنين جميع هذه المجلدات؟” لحظة ماذا؟
التفت انظر حولي في الغرفة “بحقك لا تبالغ! لا يمكنك وحدك كتابة كل هذ..” سكت في اللحظة التي أدركت أن نظرته لا خداع أو سخرية فيها.
الأربعة جدران التي امتلأت بمئات المجلدات، جميعها أبحاث هذا القزم؟ هو وحده جمع كل هذا؟ لا.. لا يمكن أن يكون هو وحده قد كتبها جميعًا؟
“كيف بحق الله كان يمتلك الوقت والعقل الذي سمح له بكتابة كل هذا؟” صاح يوجين وهو يتفحص المجلدات المرصوصة بعناية في كل مكان.
“هل يمكنكِ تجاوز صدمتك بسرعة لأني لا أملك الوقت الكافي لهدره عليك” لأول مرة سخريته اللاذعة لا تؤثر على انبهاري به! إنه عبقري بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
“هل أجريت جميع هذه الأبحاث وحدك؟” جدية سؤالي دفعته أخيرًا لأخذي بجدية ويسأل: “ولما الاهتمام؟” 
“أرتيانو، ما مقدار ما تعرف بحق الخالق؟ الأمر أشبه بمكتبة مصغرة داخل المكان، عقلك بإمكانه إحداث ثورة من حيث أتيت أنا” تمتمت بالجملة الأخيرة وأنا أتفحص الأوراق بعيني.
“بدأ الأمر كهواية، ثم أصبحت أشبه بوظيفة دائمة” قال بينما ينظم الأوراق مجددًا داخل مجلده.
“المهم في الأمر، أن الرمز الذي يعبر عنك كفارسة، هو ذات الرمز الذي يملك تاريخًا غامضًا، كل ما أعرف حتى اليوم أنه متصل بثلاثة ممالك مختلفة، واحدة تحاول تزويره والأخرى تحاول تجاهله والثالثة ممحية من الوجود حتى وقتٍ قريب..”
“والرابعة؟” 
تمتمت بالسؤال بينما أحدق بالدوائر الأربعة المرسومة على الورقة. توقفت يد أرتيانو عن الحركة ثم نظر نحوي بسرعة وكرر: “أتظنين أن هناك مملكة رابعة؟” لم أفهم إن كان سؤاله جدي أم يحاول فقط السخرية مني لكني بررت على كل حال: “ألا يمكن ان كل دائرة ترمز لمملكة معينة؟ لذلك كان من الطبيعي أن تجدها منحوتة على جدران هذه الممالك الثلاثة؟ مما يعني أن هناك مملكة رابعة ترمز لها الدائرة الرابعة”.
لا أعلم إن كان ما رأيت على وجه أرتيانو نظرة استحسان أم أنه فقط خيالي الخاص ولكنه قال على أي حال: “لقد كان احتمالًا مطروحًا ونظرية منطقية إلا أن الرمز نفسه لم نجده في أي مملكة أخرى غير الثلاث المذكورين، لذلك مع عدم وجود أي دليل واضح لا يمكننا إثبات هذه النظرية”. 
لقد بدت لي حقًا منطقية، لكنه محق، هذا يعني أن الرمز ربما المقصود منه شيء آخر غير الممالك!
“لقد بدأنا البحث عن تاريخ هذا الرمز بسبب الغموض والغرابة التي تدور حوله، أماكن ظهوره الغريبة! وسبب تجاهل أحد الممالك له ومحاولة تزييف تصميمه في الأخرى، كلها أمور دفعت مملكة العباقرة في الإشراف على بحث سري عن أصل ومعنى هذا الرمز، مع الأسف كنا قد وصلنا موصلًا مسدودًا لذلك توقف البحث منذ زمنٍ طويل”.
بينما يعيد الملف مكانه بدأ في إعطائي نبذة سريعة عن بحثه، وما جذب انتباهي كان كلمة -سري- أشاركني هذا القزم بحثًا اشرفت عليه مملكته سرًا للتو؟
يبدو أنه لا يجدني بهذا السوء.
“امسحي الابتسامة البلهاء عن وجهك قبل أن يطردك من مكتبه” عدلت تعبير وجهي بسرعة بعد جمله يوجين، عليَّ العمل على فصل أفكاري وتعابيري بجهد أكثر بكثير.
“أنه يتحدث كثيرًا على غير العادة” علق يوجين مجددًا وكان محقًا.. مجددًا. لم اسمع هذا القزم يتحدث بهذا القدر خاصة معي من قبل.
وهذا ما دفع سؤالًا مزعجًا لمقدمة رأسي “بما أنك تعرف كل هذه المعلومات.. لماذا لم تحاول إخباري بها سابقًا؟” تنهيدة فورية غادرت شفتيه تبعها تمتمته: “يال غروركم”.
ارتفعت عينه نحوي وأجاب: “لم تسألي من قبل؟ أظننتِ أن جميعنا مستعدين لتقديم كل شيء تحتاجينه على طبق من ذهب؟” وهنا بدأ أرتيانو يزعجني مجددًا. كتفت ذراعي وقلت باستنكار واضح: “ألسنا فريقًا؟ هذا ما يفترض بالفريق فعله” صمت لعدة ثوانٍ وظننت أنني ألجمته أخيرًا، ولكن ابتسامة النصر التي كادت ترتفع على شفتي توقفت عندما قال: 
“أتعلمين ماهي مشكلة أسطورة فرسان التوبازيوس على مدى العصور؟” بالتأكيد لا أعرف لذلك احتفظت بصمتي ليردف: “العشوائية! يتم اختيار أفراد عشوائيين في وقت عشوائي بشخصيات عشوائية، ويتوقع الجميع منهم الانسجام في وقت قياسي والتعامل بإخاء وحب واحترام مبالغ فيه كمجموعة مقاتلين خاضوا معًا عدة حروب قاسية”.
أصبحت تعبيره أكثر جدية من كونها ساخرة وتابع: ”هذا ليس عملًا دراميًا جلنار، لا يوجد أشخاص في هذا العالم سيعطون بعضهم الثقة التامة بعد معركتين ولا جولتين من التدريب معًا، الثقة تُكتسب والاحترام كذلك، لا تتوقعِ أن لقب قائدة أو ابنة التوبازيوس سيجعل الجميع بشكل سحري يحبك ويحترمك ويقدم يد المساعدة لك في كل خطوة تخطيها، ربما البعض قادرين على فعل ذلك ولكن البقية يملكون مشاكلهم وأسبابهم وحياتهم الشخصية التي بدون أي تردد سيضعونها فوق جميع رغباتك في أية لحظة لذلك..”
أعاد خصلات شعره المنسابة فوق وجهه للخلف وبنبرة متعالية -أو هكذا سمعتها- قال: “لا تأتِ إلا هنا بكل تبجح لتحاسبيني بعدما شاركت معك بحثًا ما كنت لأشاركه معك بعد مئة عام، بالنسبة لي، لستِ القائدة التي يمكنني مشاركتها أفكاري بكل أرياحية بعد، فكل ما قلته في بداية مجيئك هنا عن العلم والمعرفة التي تفوق القوة تبخر مع الرياح ما إن تمكنتِ بالتلاعب ببعض العناصر، احترامي لكِ ليس حقًا مفروضًا يا أنسة”.
بعد! 
لقد قال ’يمكنني مشاركتها أفكاري بعد!’ أي أن فكرة مشاركتي أفكاره مطروحة وتدور في رأسه.. ومجددًا رغم كل كلماته القاسية واللاذعة التي تركت مرارة سيئة على طرف لساني، ألا أنني كنت أحارب الرغبة في رسم ابتسامة على وجهي لهذه الفكرة.
لا أعلم إن كانت تعبيري واضحة أم أنه فقط منزعج جدًا مني لكنه زفر ودلك رأسه بحاجبين معقودين. 
التفت نحو رف مجلداته ونقر بشدة على الغلاف القاسِ لمجلده الذي أعاده مكانه توًا وقال:
“ما دفعني لإخراج هذا المجلد للواجهة مجددًا ليس لمساعدتك، بل لظهور نفس العلامة فجأة في أكثر مكانًا غريب ومهم مجددًا”. اتجهت سبابته نحوي، نحو عنقي بشكل أدق مما دفعني لتنظيف حلقي تلقائيًا بتوتر.
“لما من بين جميع الأشخاص قد يظهر رمز لا يملك أي أهمية كرمز اختيار.. ليس فقط فارسة، بل ابنة التوبازيوس؟”.
تحرك كرسيه ذو الساق الطويلة والعجلات الكهربائية نحوي، كان قريبًا بشكل غير مريح ولكن عينه الحادة ظلت تحدق بالرمز الموشوم على عنقي.
شيء ما قفز فجأة من بين أفكاري مما دفعني لأخذ خطوة بعيدًا عنه والسؤال بجدية: “أتظن أن أحد النبلاء قد يكون مدركًا أو مهتمًا بهذا الرمز؟” ارتفع احدى حاجبيه باستغراب قبل أن يحك فكه ببعض التفكير مجيبًا: “لا أظن ذلك، خلال بحثي لم يعترض طريقي أو يتم ذكر أسم أي من النبلاء الحاليين ولكن..” 
رائع، هناك دئمًا -لكن- في الأمر..
“لقد أخبرتك سابقًا أن الرمز تم التلاعب به وإعادة استخدامه في الإلترانيوس والمسؤولون عن ذلك كانوا قادة النبلاء السابقين” ارتفع حاجبي بسرعة صائحة: “العائلات الأصلية؟” كاد يقول شيئًا ولكنه توقف قبل أن تخرج الكلمة من فمه كاملة “من أخبرك عنهم بحق الله؟”.
ابتسمت ببعض الغرور “قد يفاجئك ما أعرفه” دحرج عينه وقال: “لا، لا أقصد العائلات الأصلية، أظننتِ أن قادة النبلاء الحاليين هم الأوائل؟ لقد كان هناك سيد لألفن قبل السيد الحالي وسيد لصاميومين وجلين ودول قبل السادة الحاليين، القيادة متوارثة بالطبع داخل العوائل النبيلة كما العائلة الملكية، لذلك..” 
عاد بكرسييه خلف المكتب الفوضوي قليلًا وبدأ في ترتيب أوراقه بينما يشرح: “لا أظن أن القادة الحاليين يملكون أي اهتمام برمز لا معنى له، ربما إن كان أحد هؤلاء المغرورين يملك وقتًا للقراءة والبحث قد يجد -لسوء حظنا- سبب محاولة القادة السابقين تزيف الرمز ولكنه احتمال بعيد بما أنهم منشغلون كثيرًا بحاولة السيطرة على بشرية حمقاء جامحة أفسدت لعبتهم لفترة قصيرة”.
حسنًا يبدو أن واحد منهم مهتم بالقراءة والبحث بشكل خاص لذلك لندعو الإله ألا تقع هذه المعلومة في الأيدي الخاطئة.
“بالحديث عن النبلاء، لما يخشاهم الجميع؟” لم يكن أرتيانو مضطرًا لتفكير في الإجابة مرتين لأنه أجاب فورًا “لأنهم يجب عليهم ذلك”. ألقيت نظرة قلق سريعة نحو يوجين الذي بدوره بادلني بواحدة مماثلة.
“أتخشاهم انت أيضًا؟” 
“بالطبع”.
“ألست عبقريًا، مما يعني أنك أكثر ذكاء منهم”.
“لأنني عبقري فأنا أخشاهم، الغبي وحده من لا يشعر بالخوف أو الحذر من شيء يجب عليك الخوف منه، أسمعتِ من قبل بالذوبين والضَّارع؟” مجددًا تبادلت نظرة استغراب سريعة مع يوجين الذي بدوره رفع كتفه دلالة على جهله.
“بالطبع لم تفعلي” تمتم قبل أن يرفع عينه عن مكتبه أخيرًا وينظر نحوي ليشرح بشكل سريع: “إنهما حيوانان يعيشا في الغابة، يمتاز الذوبين بالقوة والذكاء والشرف، مهما بلغت قوته لن يحاول الانقضاض عليك غدرًا إن أعطيته ظهرك ولن يتجرأ على مهاجمتك نائمًا، لا يهاجم الذوبين أطفال المخلوقات الأخرى ولا يحاول أبدًا الفتك بأفراد قطيعه، على النقيض تمامًا حيوان الضَّارع والذي يمتاز بكل أساليب المكر والخبث والخداع، مخلوق مكروه في الغاب مستعد لفعل كل ما يمكنه فعله حتى يكسب أرضًا أو وجبة.. أتعلمين أي المخلوقين مهدد بالانقراض من الإلترانيوس تمامًا؟” 
أظن أن مقصده بدأ يتضح! 
“رغم أن الضَّارع مخلوقات تهاب بشدة الذوبين إلا أنها قادرة على قتلها بطرق خبيثة كل مرة، تهاجم أثناء نوم القطعان الأخرى، وتصطاد صغارهم لكونهم فريسة سهلة وحتى أنها تسبب انهيارات جبلية حتى تقضي على قطعان كبيرة من الذوبين، نعم الذوبين أكثر قوة وفتكًا ولكنها تموت بأعداد ضخمة سنويًا على يد مخلوق أكثر جبنًا وخبثًا”.
لا أريد القول إنني أقلل من مكر وطرق النبلاء البشعة والمقززة ولكن، كل ما واجهته منهم رغم فظاعته كان يدل فقط على مجموعة من النرجسيين اللذين يظنون أن الكون يدور حولهم.
“دعيني أعطيكِ عرضًا”.
تمكن أرتيانو بنجاح من جذب انتباهي بعيدًا عن أفكاري بجملة واحدة، ما الذي يمكن لشخص مثله أن يعرض علي!
“بما أنك أصبحتِ تميلين لإيجاد المعلومات بسهولة..” دحرجت عيني لاتهامه المبالغ فيه لكنه لم يهتم وأكمل:” أنتِ تملكين بالفعل خيط بداية بما أنكِ تعرفين من هم النبلاء الأصليين، حاولِ البحث بنفسك عن أين ذهبت هذه العائلات اليوم ولما تختلف بشكل كلي عن العائلات الحالية عدا عائلة واحدة، إن جئتني بإجابة مرضية، أنا مستعد لمشاركة معلومة تهمك في المقابل”.
“أوليس الأسهل أن يخبرك بكل شيء يعرف؟ أيظنك تملكين وقتًا للبحث في كل تفصيله؟” اعتراض يوجين كان عالي لدرجة ظننت أرتيانو سيكون قادرًا على سماعه.
“وإن كنتِ تظنين أن إخبارك سيكون أسهل لأن هناك أمور أكثر أهمية تنتظرك..” تبًا! أيمكنه سماع يوجين؟ 
يبدو أن يوجين يملك الفكرة ذاتها لأنه شهق بشدة وغطا فمه بكلتا يده “أكاد أقسم أنه قادر على سماعي ويتظاهر بالعكس”. لا يمكنني أبدًا إنكار هذه الاحتمالية. مقدار ما يعرفه وكيف يعرف يرعبني أحيانًا!
“أنا لا أعرض هذا الأمر تبجحًا روسيل، في الواقع.. أظنك قادرة على إيجاد معلومات أخرى لم أكن شخصيًا قادر على إيجادها أثناء بحث”. ضحكة ساخرة غادرت فمي تلقائيًا “بحقك يا رجل، أنت عبقري، وهذا ليس مديحًا بل هو ما أنت عليه، أتظنين قادرة على اكتشاف ما لم تكتشفه أنت؟”
رسم ابتسامة مستمتعة نادرًا ما أراها على وجهه وأجاب:” عبقري؟ نعم، متعدد العلاقات واجتماعي؟ لا، العبقرية لا تعني الإلمام بكل جوانب الحياة بالفطرة، مع الأسف، أحيانًا المعلومات التي قد تقضي عمرًا في البحث عنها، يمكنك إيجادها بسهولة في منزل عجوز وحيدة أثناء تبادل حديث صغير، وأنا لا أتمتع بشخصية تسمح للآخرين بالراحة حولي وتبادل الأحاديث الصغيرة لمشاركتي المعلومات. لذلك لا تجعلي مصدر بحثك الوحيد هي المكتبة، سيفاجئك كم المعلومات المخبئة داخل أدمغة وعلى أطراف ألسنة الآخرين”.
مجددًا.. عبقري!
“لذلك بما أنك تعرض عرضًا كهذا لي، وهذا بعيد نوعًا ما عن أرتيانو الذي أعرفه..” أسندت يدي ضد مكتبه ونظرت نحوه أحاول استشفاف الحقيقة من كلماته الملتوية “لابد إن العائلات القديمة ليست تفصيله صغيرة بعد كل شيء، وإلا ما كنت عرضت عرضًا مزعجًا لك كهذا!”.
حدق بعيني لثوانٍ قبل أن يرفع كتفه ويجيب: ”هذا الأمر يعود لك لتحديد”. ولكن ارتفاع زوايا شفتيه بشكل طفيف جدًا كان كفيلًا بإجابتي.
ازحت يدي عن مكتبه ملتفته في نية إنهاء هذه المحادثة قائلة: “سأنتظر منك تصميمًا لأجل المسكين هارليك”. حشرجة متذمرة خرجت من حلقة دفعتني للابتسام ولكن ليس للتراجع.
كدت أبتعد ولكن صوت الأزيز الذي صدر من فوق مكتبه والذي تلاه ضوء أصفر دفعني للالتفات بسرعة. يدي التي كانت فوق مكتبه أزاحت بدون قصد كتاب كان ملقيًا فوق قرص معدني، كان هو مصدر كلًا من الأزيز والضوء.
صورة مجسمة انبثقت فجأة لطفلين يجلسان أمام صبية حسناء تكاد تكون في ذات عمر أرتيانو بينما صدح صوت أحد الصبية الصغار صائحًا: “-شتقنا لك كثيرًا أبي، ننتظر عودتك سالمًا بفارغ الصـ..” وكما بدأت الرسالة ناقصة انتهت كذلك ناقصة عندما اندفعت يد أرتيانو فوق القرص لتغلق الرسالة.
ظللت أحدق حيث كان القرص أحاول استيعاب الأمر.
“ما كان هذا؟” سأل يوجين ذات السؤال الذي يعصف بجنون داخل رأسي. رفعت عيني نحو أرتيانو الذي ظلت عينه معلقة حيث القرص قبل أن يتنهد بتعب.
“هل أنت..” قاطعني بلا مبالاة “متزوج”.
صمت ثقيل مر في الغرفة وشعرت أنني في حاجة لصفعة على وجهي حتى يوقظني أحدهم.
“يمكنك الشعور بالصدمة خارج مكتبي إذا سمحت”. نظرت نحوه بينما أحاول استخراج كلمة واحدة لا تسبب في شتمي ولكنه وفر عليَّ العناء وقال مجددًا بانزعاج واضح:” أعلم أن عقلك بشري لذلك من الصعب التأقلم مع هذه الحقيقة، لكنني ضعف عمرك ربما أكبر حرفيًا روسيل، لذلك نعم.. من الطبيعي أن يكون لي زوجة وأولاد”.
ألهي أبدو وقحة جدًا الآن ولكن من الصعب تقبل الأمر عندما ترى حرفيًا وجه طفل أمامك وهناك طفل أخر يدعوه بأبي.
لملمت تعابيري الحمقاء بسرعة وألقيت جملتي أثناء خروجي مهرولة من مكتبة “ليس هذا ما فاجأني”. التفت نحوه بعدما فتحت الباب وقبل أن أخرج أردفت: “ما يفاجئني أن هناك امرأة قادرة على مواكبة شخصيتك ونرجسيتك لدرجة الزواج منك”. 
وقبل أن أترك له فرصة للرد خرجت وأغلقت الباب خلفي بسرعة.
وقفت خارج مكتبه للحظات أحاول تخطي الأمر داخل رأسي ولكن بالطبع لا يمكنني ذلك، فأحدهم لا يمكنه التفكير إلا بصوت عالي بجوار أذني تحديدًا..
”متــــزوج! عقلة الأصبع هذا متزوج وأنا مت أعزبًا؟” 
“أخفض صوتك” همست بحدة من بين أسناني ليصيح “لا أحد يسمعني بحق الإله غيرك جلنار”. اتجهت عيني نحو باب مكتب أرتيانو متمته “لست متأكدة بعد الآن”. كل شيء حول هذا الرجل غامض بشكل يدعو للحذر.
“أنا فقط لا يمكنني تصور الأمر! متزوج؟ هو؟ إنه طفل!” أقحمت يدي في جيبي مبتعدة عن مكتبه “شكلًا؟ نعم ولكنه أكبر من عمري الضعف” إنه صعب قليلًا لان وجهه طفولـــي جدًا لكنه رجل ناضج بالفعل.
“كيف تمكنا حتى من..” 
“لا تحاول حتى التفكير في الأمر” قاطعته بسرعة وقد لوحت بسبابتي أمامه بتهديد “أعلم! حتى التفكير في الأمر يبدو اساءة لطفل” عليه التوقف عن قول طفل لأنني لازالت أحاول في كل مرة أراه فيها أقناع عقلي أنني أقف أمام رجل ناضج وعليَّ احترامه.
مسحت عيني صالة الاستقبال والمطبخ بحثًا عن أزرق الشعر الظريف، ارتفعت زاويا شفتي عندما لمحت قدميه الصغيرتين تتأرجحان فوق الأريكة بينما جسده مستلقي براحة عليها.
“مستعد لذهاب؟”. قفز من مكانه بسرعة ما إن سمعني وصاح “أخيــــــرًا” قهقهت لوجهه المتذمر والمنتفخ بينما يقفز من فوق أريكته ويركض نحو الخارج يتبعه يوجين الذي كان يحاول لسبب صبياني سحب شعره -بخفه- على حد قوله.
وقفت لثوانٍ عند الباب ألقي نظرة أخيرة للمنزل الفارغ، شيء ما دائمًا ما يؤلمني عندما أرى الأماكن التي أعتد رؤيتها مزدحمة فارغة، أعلم أننا سنعود إلى هنا بعد نهاية التدريب، ولكنه لازال مزعجًا رؤية هذه الأرائك والمقاعد فارغة.
أغلقت الباب بإحكام واتجهت حيث الأحمقان اللذان يدوران حول كارولوس، كيف بحق الله يمكنه اللعب مع شبح لا يمكنه رؤيته أو سماعه؟ ولما شاب في منتصف العشرينات تقريبا يبدو بهذه السعادة البلهاء بينما يطارد طفلًا؟ 
ظل آركون مستلقيًا تحت أشعة الشمس فوق ذراعيه بينما يراقبهما بتعبير مرتاحة أقرب للسعادة ولا يبدو ممانعًا البتة بالضجة الصادرة من ضحكات وصراخ كلاهما.
في المقابل..
تعبير كارولوس التي تدل على سؤومه منهما بينما يحدق في الأفق بأعين ضجرة دون أن يعيرهما اهتمامًا كانت واضحة كالشمس مما سبب في انفجاري ضحكًا، يمكنني الشعور بنفاذ صبره من على بعد أميال.
توقف الاثنان وحدقا نحوي باستغراب “دورة أخرى وسيقرر المسكين تناولكما على غداءه” أشرت برأسي نحو كارولوس الذي زمجر بخفة وقد راقت له الفكرة. اتجهت اعين الاثنين نحوه بصمت قبل أن يزحفا بهدوء بعيد عنه دون إضافة كلمة أخرى.
“إلى أين الآن؟”  سؤال هارليك دفعني لتفكير لوهلة، لقد تحدثت مع إيراكوس -وإن كان حدثًا غير مخطط له- لذلك تم أمر من قائمة مهامي، تحدثت مع أرتيانو وطلبت منه خدمة لهارليك شيء آخر محذوف من قائمتي.. لذلك بقي شيئين ضروريين..
بطرف عيني حدقت بوجه هارليك المتحمس بشدة.. لا يمكنني أخذه معي حيث كاريان، ليس بعد!
لذلك لنتجه للقصر الملكي ثم سأعيده للأكاديمية قبل مقابلة كاريان. اتجهت نحو كارولوس مثبتة اللجام حول رأسه ومعدلة مكان السرج على ظهره قبل أن امتطيه بقفز سريعة.
مددت ذراعي نحو هارليك قائلة: “لدينا أميرة علينا مقابلتها”. اتسعت ابتسامته والتقط كف يدي لأسحب جسده الصغير بسهولة فوق ظهر كارولوس ليجلس أمامي براحة.
“أتريد المجيء؟” سؤالي لآركون سبب زمجرة واعتراض كارولوس الذي أمال عنقه بشدة مما دفعني لسحب لجامه حتى يتوقف. وقف آركون على أربع ومدد جسده الكبير قبل أن يقترب مني مميلًا برأسه، ابتسمت وداعبته منتظرة منه القفز خلفي ولكنه ابتعد بهدوء واتجه نحو باب المنزل وعاد ليريح جسده ذو الفراء الكثيفة أمامه وهو يراقبنا بأعين ناعسة.
إنه كسول بكل كفاءه. لكن ترك حارس للمنزل ليست بفكرة سيئة “استرح قليلًا، لن يأتِ” نكزت عنق كارولوس الذي بدا في قمة سعادته الآن.
سحبت لجامه وربت على عنقه قائلة: “هيا للقصر الملكي”. زمجر وضرب بأقدامه القوية الأرض قبل أن يركض ويفرد جناحيه الضخمين ويرتفع بسرعة مثيرًا صراخ هارليك المتحمس.
علي القول، لا شيء يضاهي التحليق على ظهر تنين في حياتي كلها، إنها تجربة لا يمكن إيجاد مثيل لها على الإطلاق.
عيني التقطت هيئة يوجين الذي تسارعت سرعة تحليقه لمجاراة كارولوس مما ذكرني بشبح آخر “أين إليف؟” صرخت حتى يسمعني يوجين ولكنه صرخ بدوره: “من يعلم؟!”.
لم أره عندما خرجت من المنزل وفي أوقات كثيرة أنسى وجوده بسبب هدوءه المبالغ فيه، لربما سبقنا للقصر الملكي؟
اشتدت يدي على لجام كارولوس وصحت: “تمهل قليلًا” ولكنني كنت أتحدث مع نفسي فقد حفزه يوجين الأحمق ليبدأ الاثنين في السباق بين بعضهما كالعادة وسط ضحكات هارليك وصرخاته المستمتعة، لذلك استسلمت بسرعة شديدة بعد إهانتين من يوجين وبدأت بحماس أساعد كارولوس واتحكم في لجامه بدقة حتى يتمكن من سبق يوجين.
والذي لغرابة الأمر يبدو لي فجأة سريعًا جدًا كمحلق! أسرع من المعتاد حتى. متى ازدادت سرعة يوجين في التحليق لدرجة أنني أكاد لا ألاحظ هيئته! لولا أعين كارولوس القادرة على التقاطه لكان قد فاز منذ وقت طويل.
كان من الرائع ايضًا ملاحظة كيف أصبح من السهل عليَّ معرفة طريقي في السماء حسب وجهتي.. فأنا بشكل عام أحافظ على مسافة فوق الغيوم حتى لا أثير ذعر الآخرين، ولكن من وقت لآخر أدفع كارولوس للهبوط قليلًا حتى يتسنى لي ملاحظة أين أنا لأحافظ على اتجاه تحليقي.
ولكن القصر الملكي كان استثناء فبعد التحليق من منزل الفرسان لعشر دقائق يمكنني بسهولة رؤية أبراجه التي لا يوجد برج في المملكة كلها ينافس علوها، فقد كانت الأبراج الثلاثة تناطح السماء لعلوها، وكان من السهل رؤية قممها التي تخترق السحب من مسافة بعيدة. 
لذلك ما إن التقطت عيني القمم الثلاثة سحبت لجام كارولوس أخفف سرعته المجنونة لأننا تعدينا حدود الأرض الملكية.
صيحة يوجين المتذمرة وصلتني في نفس الثانية “لقد كدت أسبقه هذه المرة” في الواقع لقد كان قريبًا جدا منه! وهو شيء مذهل نظرًا لأنني عرفت فقط اليوم أنه تنين يمكنه السفر عبر المجرات، لذلك لا يمكنني تخيل كم قد تصل سرعة كارولوس الحقيقة!
“من فاز بالسباق؟ من فاز؟” صاح هارليك وهو يتحرك في مكانه بحماس بينما نهبط “كارولوس” أجبت مبتسمة ليصيح بسعادة ويربت على عنق كارولوس مهنئًا: “أحسنت أيها التنين، كدت اشعر بجلدي يُنتزع عن عظمي لسرعتك” من الواضح أن المديح أعجبه كثيرًا لأنني شعرت بفخره وسعادته ككلب يكاد يبدأ في هز ذيله.
“أيها الخائن” صاح يوجين نحو هارليك الذي بدوره نظر للجهة الأخرى قائلًا: “من الرائع أن يتمكن مخلوق ما من السباق ضد تنين لابد أن السيد يوجين رائع حقًا”. أمسكت ذقنه وأدرته للجهة الأخرى حيث يحلق يوجين ليرفع إبهامه مقلدًا كما افعل أنا عادةً.
لطيف!
هبط كارولوس أخيرًا ويبدو أن الحرس الذي كانوا يتأهبون فور هبوطه اعتادوا الأمر أخيرًا، فقد بقوا في مكانهم وتقدمهم فقط واحد حياني بانحناءة سريعة من رأسه وضربه خفيفة بقبضة يده على صدره.
قفزت من فوق كارولوس وكدت أساعد هارليك في النزول لكنه قفز بسرعه لوحده دون مساعدة، التفت للحارس قائلة: “لا أملك موعدًا مسبقًا لكن جلالة الأميرة في انتظار مروري بكل تأكيد”. أومأ برأسه مجيبًا: ”لدينا أوامر باستقبال ابنة التوبازيوس فور مجيئها، لا داعِ للقلق”. التفت بأنظاره نحو هارليك وأحنى رأسه باحترام أيضًا وحياه كفارس العمالقة مما أسعدني كثيرًا في الواقع.
تركت كارولوس بعد أن أمرته بعدم الابتعاد ومن الواضح أن تحدثي لتنين هو شيء لن يعتد عليه الحرس لانه ظل يحدق نحوي ونحو كارولوس ببلاهة ولكنه تمالك نفسه في اللحظة التي نظرت فيها له.
“انه يفهمني” بررت بسرعة لكنه نظف حلقه وأومأ برأسه متمتمًا: “بالطبع سيدتي”. رائع إنه يظنني مجنونة.
“إنه يظنك مجنونة” انفجر يوجين ضحكًا، في بعض الأحيان أكره أننا نتشارك نفس الأفكار.
سرنا خلال الحديقة الأمامية للقصر الملكي والتي كانت شاسعة المساحة إن حاول أحدهم اكتشافها، الطريق من البوابة الرئيسية حتى بوابة القصر تحتاج لتسع دقائق من المشي، تسع دقائق يمكنك فيها تأمل أشكال وألوان مختلفة من النباتات والزهور والورود، والنوافير المنحوتة بهندسة جمالية كانت تختلف أشكالها وأحجامها على طول الطريق.
لازلت أشعر بالرغبة في تأمل المكان حتى وإن زرته لمئات المرات، ويبدو أن تحديقي جذب انتباه الحارس الذي يرافقنا لأنه نظف حلقه بينما ينظر نحوي ثم يعيد أنظاره على الطريق.
أملت رأسي نحوه متسائلة: “أتريد قول شيء ما؟” اتسعت عينه وحرك رأسه على الفور “لا شيء سيدتي”. ابتسمت وأردت القول إنني لا أعض ولكن عوضًا عن ذلك قلت: “لا بأس، يسعدني مشاركة أفكارك”. بدا مترددًا في البداية لكنه سمح لنفسه بالحديث أخيرًا: “لا يمكنني منع نفسي من ملاحظة إعجابك بحديقة القصر لذلك إن لم يكن سؤالي مزعجًا، أردت أن أعرف إن كان البشر أيضًا يملكون قصورًا وحدائق كاللتي هنا؟”.
عوضًا عني أجاب هارليك بسرعة وحماس “أنت لا تملك أي فكرة عن عالم البشر، لقد حكت لي جلنار عنه الكثير، إنه رائع، لديهم ما يسمى الهمالي وهو عالم مخصص بالألعاب يمكن حتى للبالغين اللعب فيه” ضحكت لحماسته وصححت “إنها الملاهي..” والتفت نحو الحارس الذي بدا فضولي جدًا وأردفت:” نعم، لدينا قصور كبيرة وحدائق مزينة كهذه، لكن خاصتكم مختلفة قليلًا، فالسحر الذي يدخل في جميع الأماكن هنا لا نملك مثله على الأرض لذلك قد أبدو مذهولة بعض الشيء”.
ظهرت ابتسامته من خلف خوذته الحديدة وقال: ”لقد صُممت الحديقة هنا بهذه الطريقة حتى لا يشعر الزائر بالملل خلال سيره حتى باب القصر، جميع الأشجار هنا تتغير بشكل دوري وحتى المنحوتات والنوافير، أنها تتبدل باستمرار وتتغير حتى لا يمل الزوار في كل مرة، ولكن إن قررت سيدتي يومًا المشي خلال الحديقة كاملة غربًا أو شرقًا، فإنها شاسعة المساحة، وسيفاجئك كم الأشياء الممتعة التي يمكنك رؤيتها هنا، فقد اعتاد النبلاء زيارة القصر الملكي فقط للمشي خلال حديقته”. يبدو هذا مسليًا، في وقت آخر غير الحرب بالتأكيد.
استمر الحارس في التحدث وهو يحاول وصف ولو شيء من جمال الحديقة كمتاهة الورد البنفسجي وبركة أسماك الديمان المنتشرة والمسارات الزجاجية التي تكشف تحتها ممرات نباتات حية تتحرك وتتغير باستمرار.
“القصر الملكي هو أكثر شيء طبيعي في هذه الأرض سيدتي، الحديقة التي تحيط القصر هي معجزة حقيقة، و.. أوه الغابة البيضاء أيضًا، إنها أكثر الأماكن غموضًا في القصر، لذلك ربما على سيدتي تخصيص وقت لزيارة حديقـ..” قاطعته فورًا متسائلة: ”الغابة البيضاء؟”.
ارتفع حاجبه وبدا مستنكرًا “ألا تعرفين الغابة البيضاء؟” ويبدو أنه شعر فجأة أنه تحدث بنبرة وقحة لذلك أضاف بسرعة: ”سيدتي!”.
أردت الضحك على تحول وجهه للون أحمر لكني تمالكت نفسي حتى لا أقوم بإحراجه وأجبت: ”لا، إنها المرة الأولى التي أسمع بها عنها”.
أومأ بتفهم وقال: ”في الواقع لا أحد يعرف عنها الكثير، احتفظت العائلة الملكية بهذه الغابة لسنوات وقرون خلف القصر الملكي، تبدو وكأن الثلوج احتلتها لشدة بياضها، فالأشجار هناك أوراقها بيضاء، والحشائش وحتى أغلب المخلوقات الغريبة التي تسكنها والطيور تملك زغبًا وريشًا أبيض اللون، لكن من المحظور على الحرس والخدم دخولها لذلك لا نملك فكرة عما يجود داخلها”. 
“أريد دخولها!”.
“أريد دخولها!”.
نظرت لهارليك ويوجين بحده وقلت بسرعة: ”انسى الأمر”. ليرتسم الإحباط على وجه كلاهما في الوقت ذاته. 
“في الواقع!..” نظرنا للحارس الذي تردد لثوانٍ ولكنه قال في النهاية: ”هناك بعض الأقاويل التي تنتشر في ارجاء القصر، يقولون أن الغابة قد تبدو صغيرة من الخارج ولكن في اللحظة التي يدخلها أحدهم لا يتمكن من الخروج منها، وقد حدثت الكثير من حوادث اختفاء للحرس والخدم الذين دخلوا الغابة ولم يعودوا منها، لذلك مُنع علينا دخولها ولا أظن أن أي أحد تمكن من دخولها والخروج منها سوى جلالته الملك أعاده الله لنا سالمًا”.
كان من المفرض أن ما قاله للتو أخاف الأحمقين الذين أرافقهما ولكن ما زادهما كلامه إلا حماسًا لتفقد تلك الغابة.
ارتفعت عيني تلقائيًا نحو قصر سافيينج الملكي، مهيبًا وعملاقًا كأول مرة رأيته فيها، إن أردت لمحة عن مدى ثراء وجمال هذه المملكة فكل ما عليك فعله هو إلقاء نظرة واحدة على هذا القصر وأبراجه العالية.
وكأن جدرانه صنعت من الألماس لشدة التماع سطحه تحت أشعة الشمس. وأبراجه من هنا لا تُرى قمتها التي اختبأت بين السحاب. 
الحارس الذي رافقنا جعل مرورنا خلال بقية الحرس المتوزعين في كل مكان أسهل بكثير، حتى وصلنا للبوابة الداخلية للقصر، تحدث مع حارسان آخرين واللذين بدورهما استعديا خادمة تبدو في الأربعين من عمرها.
هرولت بخطوات متوترة نحونا وانحنت باحترام شديد، تركنا الحارس الأخير في رعايتها حتى يعود لمكان حراسته وظلت الخادمة ترافقنا ومن الواضح أنها تحاول بشدة التعامل بكل حذر.
القصر من الداخل لم يكن أقل روعة وجمالًا من الخارج، بسقفه المرتفع وثرياه الضخمة والمتدلية في كل مكان، إنارة الشمس كانت تصل لكل نقطة داخل القصر بفضل التصميم العبقري لنوافذه الضخمة.
الخدم في كل زاوية يعتنون بالمكان وكان بإمكاني لمح أشخاص يتجولون هنا وهناك أجزم انهم من العائلة الملكية أو بعض النبلاء ربما!
“لقد وصلتم أخيرًا!”. أجفل جسدي والتفت أنظر لصاحب الصوت، وقف مبتسمًا ابتسامته الصغيرة كعادته وقد شبك كلتا يديه خلف ظهره.
“كيف لشبح أن يخيف شبحًا بحق الإله؟” تذمر يوجين واضعًا يده فوق صدره بفزع وكدت أتفق معه بشدة! كيف له أن يشعر بالخوف وهو ميت؟
“سيدتي، أكل شيءٍ بخير؟” التفت نحو الخادمة التي ظلت عينيها تتحرك بيني وبين الفراغ بجانبي -من وجهة نظرها- وبدت شاحبة قليلًا.. هذه المرأة لا تحتاج سببًا إضافيًا حتى تحذر مني!
“لا، على الإطلاق لقـ..” علقت الكلمات في منتصف حلقي عندما قاطعني صوت التحطم القوي في آخر القاعة الضخمة. 
فزعت الخادمة معي واضعة يدها فوق صدرها وقد أجفلت بينما تنظر لاتجاه الصوت كما فعلت.
“إلهي العزيز!” صوت التذمر كان عاليًا وكان بإمكاني بوضوح رؤية سبب هذه الضجة. وقفت خادمة تبدو صغيرة السن وسط قطع الزجاج المكسورة بينما انحنت بسرعة بشكل متكرر أمام المرأة الواقفة أمامها في فستانها الذهبي الناعم، تحدق بالفوضى وقد وضعت إحدى يديها فوق رأسها بانزعاج.
“لا تقفِ في مكانك كالحمقاء، هل أصبتِ بأذى؟” سألت الخادمة بينما تمد يدها وتسحب الفتاة بحذر من بين قطع الزجاج المتناثرة، اعتذرت الأخرى بهلع بينما ترتجف يديها وانحنت حتى تجمع الفوضى المتناثرة ولكن السيدة سحبت ذراعها بسرعة وأوقفتها “يا لك من فتاة بلهاء! أتريدين أن تصيبي يدك بسوء؟ اتركِ قطع الزجاج هذه سأمر ربورت بتنظيفها، اذهبي لتفحص قدميك عند أليسيا واجمعي شتات نفسك”.
أومأت الخادمة بسرعة وابتعدت عن السيدة التي صاحت: “توقفي عن البكاء بحق الإله، إنه طبق خزفي لا لوح أثري”.
حدقت بوجهها أحاول تذكرها، لقد رأيتها سابقًا، إنها الأميرة شقيقة الملك ولكنني نسيت اسمها بالكامل وهذا قد يضعني في مشكلة سيئة خلال العشر ثوانٍ القادمة.
“إنها سموها الأميرة جومانا سافيينج!” إلهي كم أريد تقبيل إليف الآن، فيبدو أن تعبير وجهي كان مقروءًا مما دفعه لتذكيري فورًا.
“أوه! لم أعلم أن القصر يستضيف ابنة التوبازيوس اليوم”. تزامنًا مع جملتها بينما تتقدم نحونا انحنت الخادمة بجواري بسرعة محييةً الأميرة. لذلك بدوري انحنيت بخفة أحييها وعندما لاحظت الأحمق المحدق بجواري واقف ببلاهة أمسكت رأسه الأزرق ودفعته للانحناء بدوره.
“يسعدني مقابلة سمو الأميرة”. قلت لتبتسم بلطف مجيبة: ”صدقيني لا أحد أكثر سعادة مني الآن”. ثم التفتت للخادمة موجهة حديثها “استدعي ربورت حتى ينظف هذه الفوضى وتفقدي الفتاة المسكينة، لقد اختفت الدماء من وجهها وكأنها أقدمت على قتل أحد الأفراد الملكيين”. أومأت الخادمة بطاعة وانطلقت في سبيلها.
التفتت الأميرة نحونا مجددًا لتلقط عينها هارليك الواقف ببعض التوتر “فارس العمالقة! يا لها من مناسبة سارة أن آراك هنا بصحبة قائدة الفرسان”. مسح كف يديه الصغيرة المتعرقة في ملابسه بينما ينحني بسرعة قائلًا -أو صائحًا- بحماس: “إنه لشرف لي سمو الأميرة”. قهقهت بخفة لحماسة وتوتره الواضحين وأحنت رأسها تعبيرًا عن امتنانها.
أشارت نحو الطريق أمامنا في دعوة لمرافقتنا بينما بدأت في التذمر عما حدث للتو: “من الصعب التوازن بين كونك أميرة وامرأة في بعض الأحيان، فالأميرة عليها أن تكون صارمة وحازمة حتى تُدار أمور الخدم بشكل صحيح، خصوصًا في أيام كهذه، وكامرأة لا يمكنك سوى الشعور بالشفقة عليهن، أصغرهن ذات سبعة عشر عامًا، والعمل هنا في القصر الملكي فرصة ذهبية لا تريد أن تضيعها لأخطاء تافهة” اشتكت متنهدة بينما تسير معي خلال القاعة الكبيرة.
“لكن يبدو أن سموك قادرة على إدارة الأمور بشكل جيد” ابتسمت لمديحي وقالت: ”أحاول قدر الإمكان إزاحة الأمور التافهة والصغيرة عن طريق سمو الأميرة الصغيرة، إنها بالفعل تملك ما يكفيها لتشغل نفسها به، لذلك أنا سعيدة جدًا بوجودك هنا” التفتت نحوي مردفة: ”ربما لستُ سياسية جيدة ولكن بعد الاحداث الأخيرة أدرك كم أنك امرأة ذكية آنسة روسيل، لذلك من المريح وجودك للتحدث مع الأميرة، ربما حديث صغير بينكما قادر على إن يزيح الكثير من الأفكار السوداء المتراكمة داخل خلدها”.
لا أريد حقًا تخييب ظنها، فكل ما في جعبتي هي الأخبار السيئة فحسب، ولكنني احتفظت بهذه المعلومة لنفسي في الوقت الحاضر.
“على الرغم من ذلك، من الجيد تواجد سموك بجانب جلالتها، تبدين حقًا مهتمة بها، في أوقات كهذه.. هذا كل ما يحتاجه المرء، فقط فرد واحد يهتم بك بصدق” نظرت نحوي الأميرة بصمت لثوانٍ مما أشعرني ببعض الارتباك.. أقلت أمرًا خاطئًا؟
“استرخي قليلًا” تدخل إليف مربتًا على كتفي ليوافقه يوجين “تبدين كلوح خشب متيبس”.
“يمكنني الآن فهم أخي أكثر قليلًا” جذبتني جملة الأميرة عن الشبحين بجواري ولم أكن في حاجة لسؤال عن قصدها لأنها أردفت:” منذ الصغر، كان مهتمًا جدًا بقراءة كل شيء عن البشر، لم يصدق يومًا الأساطير المنتشرة عنهم، وعندما أتحدث معك تخالجني لحظة إدراك صغيرة أنني أتحدث مع شخص يعيش على بعد ملايين المسافات عني وكنت لا أصدق بوجودهم يومًا ما”.
في الواقع يمكنني فهم ما تريد قوله تمامًا، لازالت يخالجني ذات الشعور، وكأنني داخل عالم لعبة أو فلم ما، وكأن كل ما يحدث هنا لا علاقة له بي أو بحياتي الحقيقة، أحيانًا أشعر برغبة في صفع وجهي حتى أستيقظ بعيدًا عن هذه الأفكار مدركة أنني لست منفصلة عن الواقع، بل هذا هو واقعي..
“لا يمكنني لومك، لازالت أشعر أحيانًا أنني داخل حلم سخيف وسيء، وسأستيقظ في أية لحظة، لكني لا أفعل”. هذا محبط نوعًا ما ولكن مشاركة هذه الفكرة مريحة قليلًا.
الأمر الوحيد السيء أنني أدركت بعد مشاركتها مع من شاركتها للتو، فصوت صفعة يد يوجين ضد جبهته جعلني أدرك أنني أصف حياة ومملكة الأميرة بـ ’الحلم السيء’ لذلك التفت نحوها بسرعة مصححة في ارتباك: “أعتذر سموك، لم أقصد اساءة لـ..” قاطعتني فورًا ملوحة بيدها وملامح التململ على وجهها “بحق الإله لن أصيح قائلة ’اقطعوا عنقها’ لأنك تشاركينني بعض أفكارك، يسعدني سماع بعض الحقيقة عوضًا عن التملق المستمر من الصباح حتى المساء”.
هذا مضحك نوعًا ما، فما إن أنهت جملتها حتى مر أحد الموجودين وقد كان رجلًا طويل القامة طويل الأنف أيضًا بشكل ملحوظ، ذو تعابير حادة، انحنى يحيها بابتسامة مصطنعة لتفعل المثل على مضض، مالت نحوي ما إن ابتعد عنا قائلة بصوت منخفض نسبيًا: “هذا مثلًا، سير نيكودا فالس أحد الفرسان في القصر من عائلة جلين، لا أطيق رؤية وجهه صباحًا ولا يطيق رؤيتي وعلى الرغم من ذلك نتصادف كل يوم وعلى أحدنا الابتسام دئمًا في وجه الآخر”.
انفجر يوجين في الضحك وهارليك كان يقاوم بشدة فقد كان من الواضح أنه يكاد يمزق شفتيه حتى يمنع نفسه من الضحك. إليف للمرة الأولى سمعته يقهقه بخفة ولذلك كان من الصعب التماسك وسطهم مما دفعني لتغطية وجهي بسرعة قبل أن أنفجر ضحكًا.
بدت الأميرة في غاية الراحة عندما لاحظت أن مزحتها مضحكة جدًا لذلك اكتفت بابتسامة راضية على وجهها.
“ما كان أحدهم ليتجرأ على فعل ما يفعلونه هذه الأيام إن كان أخي موجودًا”. تمتمت فجأة قبل أن تتسلل تنهيدة من بين شفتيها مما محى أي رغبة في الضحك داخلنا وقد ظهر هذا على تعابير كل واحد منا.
“دعيني اتخلى عن الرسميات قليلًا معكما” طلبت بابتسامة لطيفة مما دفعني انا وهارليك للإيماء فورًا “أخي، لم يتقلد الحكم لأنه فقط الأبن الأكبر لطالما تمييز إليفيندرا بالذكاء الحاد والنهم المعرفي الذي لم يتم إشباعه يومًا كما أتذكر.. بينما كان جميع الصبية في عمره يركضون في الأرجاء بسيوف خشبية، حالمين بأي هبة سيحصلون عليها، كان أخي يقضي صباحه ومساءه يتعلم ويقرأ كل مخطوطة وكتاب ونص وقع تحت يده، لم يكن يقرأ لسبب محدد كالمتعة من قراءة القصص الخيالية أو الفضول الذي يدفع الشخص لتعلم العلوم كلها، كان يقرأ كل شيء وأي شيء لأنه يحب القراءة، يحب فكرة أن كل كتاب وصفحة وحتى قاعدة تحتوي على شيء جديد ومختلف”.
“قاعدة؟” كررت الكلمة باستغراب، فالكلمة هنا لا تتمشى ابدًا مع صياغة الجملة.
وقبل أن تحاول الأميرة الشرح تدخل هارليك وكأنه سعيدًا جدًا بهذه الفرصة التي تتيح له التدخل في الحديث “القواعد هي أماكن افتراضية يمكنك الوصول لها من خلال الشبكة العالمية من خلال أي لوح ضوئي، كل قاعدة تحتوي على مئات المستخدمين وتختلف عن بعضها البعض، هناك قواعد مخصصة فقط للأبحاث والكتائب العلمية ويتم النشر بشكل دوري جميع أبحاث الإلترانيوس على قاعدة ’إيراميد’ والتي يشرف عليها كبار الحكماء والعلماء من أرض الوسطاء”.
لحظة... أيقصد المواقع الإلكترونية؟
“يا له من شرحٍ وافٍ ما كنت لأتمكن شخصيًا من تقديمة” مدحته الأميرة بإيماءة صغيرة لتحمر وجنتيه بشدة ويكاد وجهه يتشنج لمحاولته كبح ابتسامته العريضة.
كنت لأحاول إيضاح معنى ’المواقع الإلكترونية’ لهم ولكن وجدته فعلًا وقحًا قد يجعلنا ننحرف عن مسار الحديث الأصلي للأميرة لذلك ابتلعت كلماتي وأومأت في صمت.
“أخي كان مميزًا جدًا لدرجة جعلت الجميع يعرف جيدًا منذ صغره أنه الوريث الصحيح والمناسب تمامًا ليقود الإلترانيوس، كان يعود دومًا لغرفتي بمعلومه جديدة في كل صباح، وعندما قرأ للمرة الأولى عن البشر سُلب عقله منه لشدة دهشته، وظل معارضًا لجميع المعلمين والبالغين الذي أخبروه أنكم أسطورة أو حكاية خرافية. كان يملك إيمانًا -وجدته غريبًا- بوجودكم”. ضحكت في نهاية جملتها وكان من الواضح أن نبذة من تلك الذكريات مرت بها بينما ترويها.
أعلم أنني أملك مشاعر متضادة فيما يخص هذا الملك، يغضبني كثيرًا السبيل الذي سلكه في هذه المملكة ظنًا منه أنه يحمي أهلها ولكن في الوقت نفسه.. كلما سمعت عنه أكثر كلما شعرت برغبة في الجلوس أمامه والتحدث معه، لربما إن فهمت مبدأه ومنطقه تغيرت مشاعري السيئة نحوه.
بالطبع لا يمكنني مناقشة نظام الحكم أمام شقيقة الملك كما فعلت أمام يوجين وإليف وهارليك إلا إذا أردت تقليص مدة حياتي، لذلك كل ما وجدت نفسي أشعر به هو التعاطف.
لا لمملكة وملك تم فقدانه نتيجة حرب سببها أشخاص ماتوا منذ زمن طويل، بل تعاطف مع شقيقة فقدت شقيقها الأكبر فجأة.
كان بإمكاني بكل وضوح رؤية الحنين في عينيها اللتان التمعتا لثوانٍ قبل أن تتدارك نفسها مما دفعني للنظر بعيدًا عن وجهها تجنبًا لإحراجها، ولكن ما فاجأني هو تقدم هارليك نحوها وقد انحنى بلطف قبل أن يمد يده بمنديل من القماش الحريري قائلًا: “أعدك سموك، ربما أبدو لك طفلًا صغيرًا لكنني أحد الفرسان الواجب عليهم حماية الممالك بمن عليها، لذلك أعدك بإعادة جلالته سالمًا لهذا القصر، سأبذل قصار جهدي في تحقيق ذلك”.
إلهي! هذا الصبي حقًا قادر على إسكات الجميع في كل مرة بطريقة أو بأخرى.
حدقت الأميرة في وجهه ببعض الدهشة التي فشلت بشكل ذريع في إخفائها، قبل أن تلتقط المنديل من يده بأكثر ابتسامة لطيفة رأيتها ونظرات الامتنان حدقت فيه.
“أشكرك أيها الفارس، سأعتمد عليك إذًا” قالت بصعوبة بينما تحاول تتدارك الغصة في صوتها، رسمت ابتسامة على وجهها قبل أن تنظر نحوي أبتسم كالبلهاء.
“كما وعدك فارسنا، سموك، يمكنك الاعتماد علينا” قلت مؤكدة لتتسع ابتسامتها وتهمس بكلمة ’شكرًا’ بصدق يثير رغبتك في البكاء.
يد حطت على كتفي ذكرتني أن هناك شبحين يشاهدان الموقف منذ البداية، وأتاني صوت يوجين هامسًا بجوار أذني “لا تعطِ وعودًا لست متأكدة من قدرتك على الوفاء بها”. وكأنه صفعة الواقع التي تنتظرني بعد كل موقف صغير أو لطيف، هكذا يأتِ صوت يوجين دائمًا.. ولماذا بحق الإله يكرر كلمة ’بها’ خمسين مرة؟
أيجدر بهذا أن يمثل صدًا لصوته؟
“إنه محق” التفت لإليف بسرعة لكنه أومأ برأسه كتأكيد وقال: “الوعود عبء كبير أيتها الصغيرة، ربما لا يدرك فارس العمالقة الشجاع ذلك لصغر سنه، لكن عليكِ إدراك ثقل وعودك من الآن”.
شكرًا لهذا التشجيع الملهم، وعلى الرغم من انزعاجي منهما إلا أنني مدركة أن هذا الانزعاج قادم من حقيقة يقيني من حقيقة ما يقولان.
حاولت الانتباه للأميرة قدر الإمكان عندما عادت للسير مجددًا بينما تشارك هارليك حديثًا صغيرًا، لذلك تلافيت الخطوة التي سبقاني بها قبل أن يدركا أنني واقفة في مكاني كالحمقاء.
“لو كان جلالته هنا لكان اعتز بفارس مثلك كثيرًا” ربتت على رأسه وبدا هارليك على حافة التحليق لشدة سعادته بهذه التعليقات.
وقفت فجأة الأميرة والتفتت للجدار بعد طلوعنا الدرج، نظرت للوحة كبيرة وعندما أقول كبيرة فأنا أقصدها، أنها بحجم الجدار كاملًا، لوحة رأسية لثلاثة أفراد.
كان يمكنني تمييز الأميرة فيها فورًا رغم صُغر عمرها تحملها أمرأه أخرى كان من الواضح أنها الملكة “إنها اللوحة الأشهر في الإلترانيوس، رسمها واحد من أكثر الفنانين مهارة لذلك لها الكثير من النسخ في السوق”.
“جلنار”.
“أتذكر اليوم الذي رُسمت فيه هذه اللوحة كما أتذكر أسمي..” قهقهت الأميرة بينما عيني تفحصت والدة الاميرة التي حملت أبنتها بابتسامة سعيدة بفستانها الأزرق الناعم وشعرها الأشقر المرفوع للأعلى، كانت مختلفة بشكل كبير عن الأميرة وكأنهما متناقضتان، إحداهما شقراء والأخرى تملك شعرًا أسودًا كالليل لكن تمتلكان الأعين ذاتها.
“جلنار”.
تشنجت عضلات وجهي بغيظ وقاومت الصُراخ في وجه يوجين بـ ماذا، لذلك التفت نصف التفاته نحوه لفهم ماذا يريد بينما تتفحص عيني الشخص الأخير في الصورة.
“أيتها الغبية، انظري جيدًا” أشار للصورة وهو يهمس مما أثار حيرتي أكثر.
“أراد أخي لوحة للعائلة كلها عندما بلغت سموها عمر الخامسة، وحينها أصرت جلالة الملكة رحم الله روحها أن تحمل ابنتها ضاربة بجميع البروتوكولات الملكية عرض الحائط..” 
كان يمكنني سماع صوت الأميرة لكنني لم أكن مدركة لمعنى ما تقول، فقد ظلت عيني معلقة بالرجل في المنتصف، بعباءته الذهبية والحمراء وبذته الملكية البيضاء يده محتضنة خصر زوجته والأخرى ممسكة بعصا ذهبية اللون.
شعرت بيد يوجين تدفع فكي لإغلاقه بينما يهمس “إنه هو”.
تبًا إنه هو!
“أهذه مرتك الأولى في رؤية جلالته؟” 
“لا”.
التفت بسرعة نحو الأميرة المحدقة نحوي باستغراب وصححت “أعني.. نـ.. نعم” نظفت حلقي وحاولت تدارك تعبيري متمته: “إنها مرتي الأولى” ابتسمت الأميرة وبدأت في الحديث مجددًا لكنني شعرت وكأن أحدهم أغلق أذني تمامًا.
اتجهت عيني مجددًا نحو الصورة بينما يمكنني الشعور بكل سهولة بتيارات الهواء الحادة التي ستمر من خلال عنقي وتقطعه في أي لحظة.
كانت تمر عليَّ جميع اللحظات التي تحدثت فيها وانطلق لساني الأحمق بجميع أنواع الإهانات للملك ونظام حكمة أمام إليف
أمام الملك نفسه!
لما؟ لما أنا من تقع في أخطاء كهذه؟
“حسنًا.. لقد أردت إخباركما”.
أجفل جسدي بشدة ولم أتجرأ حتى على النظر نحوه بينما بخطوات سريعة وواسعة في محاولة منه إخفاء رغبته في الركض، تحرك يوجين خلف ظهري بسرعة متجنبًا أيضًا النظر لإليف.. أعني إليفيند.. أعني جلالته.. تبًا.
“آنسة روسيل؟”.
التفت نحو الأميرة بسرعة والتي حدقت بي ببعض القلق قبل أن تردف: “لا تبدين بخير! يبدو وجهك مُصفرًا! لابد أن المهمة الأخيرة كانت مرهقة جدًا”. أردت بشدة رسم ولو ابتسامة صغيرة على وجهي ولكن كل ما صدر مني كان رفعة بسيطة لزوايا شفتي بينما أحاول التحدث.
“لقد أشغلتك بحديثي المتواصل، دعيني اصطحابك لمكتب سموها فورًا حتى تتمكني من العودة والراحة”. ظللت أفتح شفتي وأغلقها كالحمقاء بينما يمكنني بسهولة بطرف عيني التقاط هيئة إليف.. أقصد الملك واقفًا خلف الأميرة.
“لا بأس سمو الأميرة.. يـ.. يسعدني الحد.. الحديث معك” حاولت تكوين جملة منطقية وبدأت المرأة في غاية الأسف علي لذلك دعتني للبقاء في مكتب الأميرة حتى عودتها وأشارت حيث يجب أن نذهب.
رميت نظرة أخيرة نحو شبح الملك الذي يرافقنا أحاول تهدئة قلقي بقراءة تعابير وجهه ولكن توقفت عندما أدركت أنه لم يكن ينظر نحوي في الأساس.
ما لبث حتى عاد ينظر نحونا قبل أن يتحرك خلف الأميرة قائلًا: “أظن أن مكانًا فارغًا سيساعدنا على التفاهم”. قاصدًا مكتب الأميرة.
انطلقت معهم ولكن لثانية أردت النظر حيث كان يحدق بفضول متناسية لوهلة المشكلة الرئيسية هنا. 
ارتفع حاجبي ببعض الاستغراب في اللحظة التي وقعت عيني على الطرف الثاني من الطابق، حيث وقف عند أحد الممرات شخص رأيته منذ مدة وبالكاد تذكرت وجهه.
سابلين! الأمير الأصغر.
كان واقفًا في مكانه بصمت ويحدق بنا، في اللحظة التي نظرت حيث يقف التقت أعيننا لمدة وجيزة كانت كفيلة لدفعي بالتوجس مجددًا منه. لم يكن هذا الرجل محل ثقة منذ المرة الأولى التي قابلته فيها ولكنه ليس محل شكٍ أيضًا..
ربما بالفعل أكثر ما يثير حذرنا هو أكثر ما لا نعرف.
أردت الإلتفات والتظاهر بعدم رؤيته، ولكن لرغبة ما، ربما رغبة في إثبات عدم خوفي منه لنفسي، أنحنيت بخفة نحوه باحترام رغم المسافة الكبيرة بيننا والتفت مهرولة بخطواتي خلف الأميرة.
ولكنني لم أكن أستطيع تجاهل الفكرة التي ترددت في رأسي بينما أشق طريقي نحو مكتب الأميرة..
لقد كنت أُسيء للملك في وجهه..
في وجهه مباشرةً!
 
 *****************************
 
 كل عام وانتم بالف الف خيرررر..
 
 شيفاااااااك يالي طالع تجري تكمل الفصل الي بعده، ارجع هنا اتكلم معايا قارئ لكاتب كده وبعدين روح شوف الفصل مش هيطير

شوفوا ازاي.. أخر فصل كان في رمضان والفصل الجديد في العيد 

احب ظهور المناسبات ده، عليا مواعيد ماشاء الله حاجه تقرف

لكنننننننننننننننن

أظن المدونة بشكلها بترتيبها تعويض كافي ووافييي، انا دافع ومكلففففففف

طبعا مش محتاجه اقول ان لو ربنا نفخ في صورتي ان شاء الله احتمال كبير هنضيف اعلانات للمدونة، فسوري إن كانت مزعجه شوية هنحاول نقللها لكن عشان اقدر على تكاليف تشغيل هذه المساحة الخاصة بنا عشان انا طبعا مش نجيب سويرس -للاسف- 

طبعا اضافة التعليقات على الفقرات دي كان ميزة بحلم اني اوصلها وسبحان الله جتلي في اكتر وقت مكنتش متوقعه هعرف اعمله

 لو قلتلكم اني كنت ناوية اشيل المدونة كلها بالرواية وكان بيني وبين زر الحذف ليلة محدش هيصدق بس الحمد لله يعني جت سليمة

الفصل مكنش هيكون كده، كان في فصل اكبر واكثر احداثا لكن الحمد لله اتحذف مع كميه ملفات تانية، الحمد لله على كل حال يعني

والدومين كان هيقف بالمدونه كلها 

وجالي ايميل ان سيرفرات بلوجر فيها مشكلة ومدونة كلها هتقف برضوا

يعني في اسبوعين ادشملت

لكن الحمد لله حليت المشاكل كلها والايميل ابن الجزمه طلع سبام اصلا بعد درما ونكد يومين 

وعدنا عودا حميدًا ان شاء الله

انبسطوا وعلقوا وتافعلوا براحتكم

وان شاء الله مع الوقت هيكون في تطويرات اكتر للمدونة 

يلا روحوا للفصل الي بعده كتر خيركم قرأتم لحد هنا 

لووف يو 

باي