الفصل الواحد والستون | طوق النجاة
جاري التحميل...
كما نخطئ ، نعاني. إذا كان هذا حقيقي ، لورد إيدارد، قل لي ..لماذا دائمًا اﻷبرياء هم أكثر من يعاني عندما تلعبوا أنتم إيها السادة الكبار لعبة العروش خاصتكم؟
الفصل الواحد والستون | طوق النجاة
كما نخطئ ، نعاني. إذا كان هذا حقيقي ، لورد إيدارد، قل لي ..لماذا دائمًا اﻷبرياء هم أكثر من يعاني عندما تلعبوا أنتم إيها السادة الكبار لعبة العروش خاصتكم؟
جورج ر. ر. مارتن
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إفصاح: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت."
مساحة لذكر الله
*****************************
الانقياد للمقصلة!
كانت هذه الجملة الوحيدة القادرة على وصف شعوري بينما أسير بكامل إرادتي لمكان مغلق يجمعني بشبح ملك لم أترك فرصة واحدة إلا وانتقدت -بعنف شديد- طريقة حكمة وربما بالغت في الإساءة لقرارته.
اردت التمسك بذيل فستان سمو الأميرة بينما تتركني داخل المكتب وتلتفت مغادرة.
وفي اللحظة التي أغلقت بها باب المكتب شاسع الحجم مرتفع السقف حبست أنفاسي، وظللت أحدق بيوجين الذي حدق في وجهي بالمقابل، متجنبين تمامًا أي صدفة قد تدفع أعيننا لتتصادف مع شبح الملك..
إلهي، لم أعد حتى قادرة على مناداته فقط بـ إليف حتى بين افكاري!
“بحق الإله تنفسا، لن آمر بقطع رقبت أحدكما”. تلقائيًا ما إن قال جملته حتى أفرجت عن نفسًا براحة كما فعل يوجين.
لما يوجين خائف؟ ولأن السؤال كان منطقي كفاية طرحته بصوت عالي ليجيب بسرعة “أحقًا تسألينني هذا السؤال؟” وحاول الإشارة برأسه اتجاه إليـ.. أقصد الملك “أنت شبح! ميت، ما أسوأ ما يمكن أن يحدث لك” همست ليصيح في المقابل: “إنه شبح أيضًا، ربما يمكنه إرسالي للحياة الأخرى للأبد”.
“يمكنني سماعكما بالمناسبة”.
“أعتذر جلالتك”.
أنحنى يوجين تسعين درجة كاملة باحترام شديد وقد تمالك تعبير وجهه الغاضبة بسرعة مذهلة.
إلهي، خوفه أكسبه تقاليد الاحترام لشعب الكوري في ثلاثة ثوانٍ!
“ما الخطب؟” نظرت لهارليك قبل أن أبدأ بالشعور بالدوار حقًا هذه المرة، مما دفعني لتدليك رأسي مغمضة عيني، أشعر برغبة ضخمة في فصل الأحياء في حياتي عن الاموات، وإلا سألقي حتفي نتيجة الجنون.
لحظة! أهذا يعني أن الملك ميت؟
التفت نحوه بسرعة ما إن قفز السؤال داخل رأسي حتى شعرت برقبتي تكاد تصاب بشد عضلي، حدق نحوي في المقابل قبل أن يبتسم بلطف كعادته وتضيق عينه جراء ذلك “أتشعرين بقدرة على التحدث الآن؟”.
أرجوك كن على قيد الحياة “هل أنت حي؟” سألت بسرعة ليحدق هارليك بي باستغراب شديد.
تنهد وصمت لثانية أردت فيها الصراخ بـ ’لا تلعب بأعصابي’ ولكنه أجاب في النهاية: “نعم”. إلهي العزيز، إلهي الرحيم، شكرًا لهذه النعمة. أردت الجلوس على ركبتي والصلاة والشكر في هذه الدقيقة فالفكرة نفسها كانت سيئة، سيئة جدًا.
“لكنني لا أزال سجين ملك الظلام”.
أعني! ماذا توقعت؟
“جلنار، هل السيد يوجين حي؟” تنهدت وأجبت هارليك تلقائيًا: “بل جلالته”. ودلكت ما بين عيني بإرهاق “مـ..ماذا؟” بدا مرتبكًا مما ذكرني أنه لا يعلم بعد من يكون إليف لأنه لا يمكنه رؤية إليف.
“هل من الجيد إخباره بكل شيء؟” ارتفعت عيني نحو شبح الملك جراء سؤاله، كان من الواضح عليّ عدم الفهم لينظر لهارليك ببعض الأسف “ألن يكون الأمر ثقيلًا عليه بعض الشيء، إنها فوضى هو في غنى عنها، الآن على الأقل”.
إنه محق، نوعًا ما! لم أعد بصراحة أعرف ما الصحيح من الخاطئ بعد الآن في أمور كهذه.
نظرت لهارليك الذي لازال يحدق بوجهي بعينه الواسعة وعلامات الاستفهام منتشرة على كامل وجهه، جلالته نوعًا ما محق ولكنني لم أندم يومًا على الثقة في هارليك وحفظ الأسرار معه، ربما اخفاء الأمر عنه لن يكون مختلفًا عن معاملته كطفل لا كفارس.
لكن إفشاء أمر كهذا ليس خياري الشخصي بشكل كامل، لذلك أعدت أنظاري للملك ولم أكن في حاجة لتفسير سؤالي لأنه تنهد ثم ابتسم باستسلام قائلًا: “إن وثقتِ به فأنا أثق به”. وهذا كان كافيًا.
“شبح إليف الذي يحوم حولنا ليس إلا شبح الملك”.
صمت طويل شعرت وكأنه لن ينتهي تبع جملتي، خلاله ظل هارليك يحدق بوجهي وكأنه ينتظر مزحة ما أو صفعة على وجهه ربما!
ولكنه في النهاية رسم ابتسامة مترددة قبل أن يخرج ضحكة متقطعة أشبه بأنفاس شخص يموت وقال: ”يا لها من مزحة.. هه لابد أنها مـ...” ولم يتمكن المسكين من إكمال كلمته لأنه قطعها بشهقة طويلة بينما اتسعت عينه وهو يحدق بشبح الملك.
لحظة! أيمكنه أن يكون مرئيًا؟
“مرحبًا أيها الفارس الشجاع”. حياه بابتسامة واقفًا، وقبل أن يضيف جملة أخرى قفز هارليك على ركبتيه وانحنى حتى كادت جبهته تصطدم بالأرضية وصاح: “جلالة الملك، إنه لشرفٌ وفخرٌ عظيم أن أقابل سمو.. أعني شبح سموك، أنا في غاية السعادة لصحتك ولكـ...” اختنق مجددًا بكلماته قبل أن يرفع رأسه بسرعة شديدة وسط أنظار الملك المتفاجئة.
عينه المتسعة بدأت فجأة تلتمع بالدموع وقال بشفتين مرتجفة: “لـ..لماذا؟ لـ..ماذا شـ..شبح جلالتك هنا؟ هـ..هل فقدنا جلالتك؟” صرخ بجملته الأخيرة لأنهض بسرعة في الوقت نفسه مع الملك وأمره بالصمت وقد غطيت فمه بيدي.
“لقد قلت للتو أنه حي أيها الأبله” همست بصوت عالي وبحده وأنا أضغط على فمه بينما أحدق بالباب بحذر.
ارتخت تعابير وجهه عندما أدرك الأمر وأصدر همهمات غير مفهومه مما دفعني لإبعاد يدي عنه.
وضع يده فوق صدره براحة وقال: “لقد أعطيت منذ دقائق فقط وعدًا لسمو الأميرة بإعادة جلالتك سالمًا، لقد شعرت أن روحي كادت تغادر جسدي للحظة”. زفر براحة مستندًا على المقعد خلفه.
“أمشكلته موت الملك؟ أم وعده الذي قطعه؟” أستنكر يوجين مما دفعني لمحاولة منع ضحكي بصعوبة.
“هذا يعلمك ألا تعطي وعودًا لست متأكدًا من الوفاء بها”. قال الملك بهدوء ليفتح هارليك فهمه بسرعة مدفاعًا: ”لم يكن هذا مقصدي، لقد تأثرت كثيرًا بمشاعر سموها كما أنه من المنطقي ألا يُقدم العدو على قتل أكثر رهينة ثمينة بين يديهم.. أعني على محاولة ارتكاب جريمة فظيعة في حق..” صمت فجأة وكنت أعلم أن أفكاره هي ما قاطعت جملته.
“هل هذا عادي؟” همس الملك لأومئ.
“أريد الاعتذار جلالتك”.
نظر نحوي بينما أحني رأسي باحترام أحاول الحفاظ على ما تبقى من حياتي “لقد تحدثت وأصدرت أحكامًا وقحة في حق جلالتك، أعذر جهـ..”
“أكانت بلا اقتناع؟”.
رفعت رأسي بسرعة نحوه، أجفلت لعينه التي حدقت نحوي بهدوء وقد تبددت فجأة جميع تلك التعابير الودودة عنه وجهه وبدا جديًا جدًا.
“عذرًا؟” استنكرت ليفسر: ”أكانت هناك كلمة واحدة قلتها عني خرجت منك بلا اقتناع أو بلا إيمان؟”. نظرت له بصمت لثوانِ. يمكنني الحفاظ على نفسي وحياتي وإنكار كل شيء ولكن.. لا يمكنني فعل هذا..
لا يمكنني التظاهر أن كلماتي كلها كانت فارغة.
“لا” أجبت ببساطة وقد تكورت يدي كقبضة وشددتها بتوتر رغم ثبات تعابير وجهي.
“إذًا أنا أقدر رأيك الصادق، لا شيء كان ليؤرقني كشبح أكثر من أراء تغلفها المجاملة حتى بعد خروجي من هذا القصر” الابتسامة الصغيرة التي صحبت جملته أرسلت الراحة لجميع أطراف جسدي.
“إن كانت جلنار ترى جلالتك منذ البداية، وكان جلالتك قادرًا على أن تكون مرأيًا منذ البداية؟ لما لم تحاول جلالتك إخبارنا أين أنت وكيف يمكننا إنقاذك؟”.
يبدو أن هارليك كان غارقًا في هذه الفكرة لأنه تدخل فجأة في الحديث وكأنه لم يلاحظ حتى أن هناك حديث دائر بدونه.
ولكنه محق! لولا خوفي على إبقاء رأسي في مكانه لكان هذا أول سؤال يقفز لبالي، ولذلك حدق ثلاثتنا بشبح الملك الذي تنهد وحدق بيديه الشبه مرئية لثوانٍ..
“لأنه لا يمكنني ذلك”.
ما الذي يعينه بحق الله بـ لا يمكنه؟ إنه يتحدث معنا الآن! فقط انطق باسم المكان اللعين!
“لقد حاولت من قبل، لم ينتهِ الأمر بشكل جيد” أرتفع حاجبي لجملته ولم أشعر بالراحة لتلك النبرة الثقيلة “ماذا تقصد... جلالتك؟” كان من الصعب جدًا قراءة هذا الرجل وتعابيره، فإما تكون مصمتة أو ودودة لا شيء آخر لذلك الصمت الذي يسبق إجابته كان من الصعب تفسيره.
“لقد حاولت إخبار أحدهم، مستشاري... مستشاري السابق، إلياس”. السابق! أهو مختلف عن مساعد الأميرة؟ ذلك الهزل المتعب دائمًا؟
“منذ لحظة احتجازي، أدركت فورًا أن تحرير نفسي أمرًا مستحيلًا، لذلك قمت بأول شيء كنت أتعلم فعله منذ الصغر، اليوماناري، مهارة فصل الروح عن الجسد..” أيقصد الانفصال الروحي؟
ذكرت أثر أديت والدة أتريوس أمر مماثل اعتدت فعله عندما كنت طفلة دون قصد مما سبب لقائي بأتريوس بشل غير مقصود سابقًا.. أهذا ما يفعله الملك الآن؟ الأمر ذاته؟
“من الصعب أن يتمكن المرء أن يصل للوعي الكافي الذي يساعده على التحكم بروحه بعيدًا عن جسده المادي..”
“ولكنك تمكنت من ذلك”.
نظر نحوي مجيبًا “تحكم بعض المواقف على الشخص اتقان المستحيل، كانت هذه الطريقة الوحيدة لتحذير الجميع” تحذير؟ من ماذا بالضبط؟ لم أشأ مقاطعته لذلك احتفظت بسؤالي حاليًا.
“لم أكن لأثق بأحد قدر ثقتي بمستشاري و.. وصديقي العزيز إلياس، لذلك تلك الدقائق الذي تمكنت فيها التحكم بروحي اتجهت فورًا بحثًا عنه، أستغرق الأمر عدة محاولات، عدة أيام، حتى تمكنت من إيجاد طريقي في النهاية” حدقت بتعبيره بتركيز، كان من الصعب القراءة خلاله لذلك كنت أحاول استشفاف أفكاره من خلال فترات صمته القصيرة.
ولكن هذه المرة كان من الواضح أن بعض المرارة ارتسمت على وجهه ولم يحاول حتى اخفاءها..
“كان مندهشًا، سعيدًا ومندهشًا، لم يصدق رؤيتي واقفًا أمامه ولكن الوقت كان يداهمني لذلك أخبرته.. أخبرته بأهم شيء ولكن..” ابتلع وقد سهت عينه بألم بعيدًا عنا وكأنه يشاهد تلك الذكرى بينما يقصها “اللحظة التي خرجت الكلمات من فمي، الألم الذي أصاب جسدي كان سيء، وكأن أحدهم يحاول حرق روحك حيًا، أصاب الشلل لساني تمامًا، وأيقنت أن لعنة أُلقت على جسدي المادي لتحكم فيما أقول، كان يعلم أنني سأجد طريقة للفرار، فوجد بدوره طريقة لمنعي من الحديث ولكن لم يكن تأثير اللعنة على جسدي وروحي هو الأسوأ..”
رفع عينه وحدق بي بنظرات ثقلها كان أسوأ مما تخيلت وبتعبير ملأها الذنب أرها للمرة الأولى على وجهه قال:” لقد وقع إلياس ميتًا في ذات اللحظة، انفجرت الدماء السوداء من بين شدقيه وأذنيه وسقط على ركبته مصابًا بتأثير اللعنة مفارقًا الحياة”.
إلهي العزيز!
صمت ثقيل ومطبق أحاط الغرفة لم يتجرأ أحدنا على كسره.
يمكنني تخيل الموقف بالكامل، يمكنني تصور ثقل الذنب الذي يعيش به، لعنة كهذه! لا يمكنني تصور شخصًا أكثر شرًا من لوكيان لإلقائها وهذا دفع المزيد من الحقد لتراكم داخل صدري.
“لذلك لا يمكنني إظهار هيأتي بطيش أمام أي شخص، عليَّ التحكم بما أقول وبأي معلومات يمكنني منحها، لا أريد التضحية بروح أخرى في سبيل إنقاذ روحي”.
هذا ثقيل، ثقيل لدرجة دفعتني لإفراج نفسٍ قوي. أردت مواساته ببعض الكلمات ولكن يبدو أن لا حظ له ولي لأن باب الغرفة طُرق عدة مرات قاطعًا الأجواء الكئيبة.
سمحت لأيًا يكن خلف الباب بالدخول لتدلف أحد الخادمات منحنيه بينما تتحرك أمامها عربة تطفو على طبقة من الهواء، وضع فوقها كؤوس لأحد مشروبات القصر ومعها أطباق صغيرة لحلوى تبدو باردة.
اعتذرت الخادمة عن تأخرها وتحركت نحو الطاولة الصغيرة التي تنتصف مقعدي ومقعد هارليك وصفت الصحون والكاسات فوقها قبل أن تنتحي مجددًا وتخرج بصمت.
كاد هارليك يفتح فمه ولكنه مجددًا قُطع ما إن فُتح الباب دون طرق هذه المرة جاذبًا جميع أنظارنا.
دلف مساعد الأميرة بينما يعدل ياقة قميصه قبل أن يحني رأسه بأدب قائلًا: ”تفضلي سموك”.
نهضنا واقفين بينما دلفت الأميرة روليان كعادتها، خطوات متسارعة وتعابير منزعجة عنوانهما حاجبيها الأسودان المنعقدان بشدة.
“مجموعة من الحمقى المعاتيه، يظنون المملكة ملعبًا لهم، حتى وإن كان والدي في قبضة العدو لازالت العائلة الملكية قائمة ولا زلت أتولى زمام المملكة دون الحاجة ليتدخل كل عجوز هرم باسم المشورة، كل واحد يريد قطعة من الكعكة الكبيرة لنصيبه...”
راقبتها بصمت بينما تتذمر بينما تُلقي بملف ما فوق مكتبها بعصبية. حدق هارليك بها ثم بشبح الملك بفك مفتوح بدهشة وكاد يشير بيده نحو الملك ولكنني سحبت يده بسرعة ووضعتها بجانبه.
“لا يمكنها رؤيتي حضرة الفارس”.
أجاب الملك على سؤاله، ظننته سيدرك عندما ظهر أمامه الملك فجأة أنه الوحيد القادر على اختيار أمام من يكون مرئي.
كان من المضحك ملاحظة كيف يحاول هارليك تجنب النظر نحو الملك حتى لا يفضح أمرنا ولكني وضعت تركيزي على الأميرة الساخطة أمامنا.
رفعت رأسها نحونا أخيرًا وقد أرتفع معه إحدى حاجبيها “ماذا تفعلين؟”. حدقت بها بعدم فهم قبل أن تتحرك عيني أنظر حولي أحاول فهم ما ترمي له!
“بحق الله اجلسي جلنار، تبالغين في التعامل برسمية، وانت كذلك أيها الظريف” وجهت جملتها الاخيرة لهارليك الذي اتسعت عينه بتفاجؤ، أومأ باحترام ولكنه تذمر بصوت منخفض يكاد يُسمع “انا فارس، لست ظريفًا”.
جلست في مقعدي بابتسامة صغيرة وحاولت ممازحتها: ” يبدو وجهك كوجه من قابل النبلاء للتو” ويبدو أم مُزحتي لم تُقابل برحابة الصدر التي توقعتها لأنها انفجرت: “مجموعة الملاعين، نواجه حربًا وكل واحد ينتظر تاجًا فوق رأسه وصولجانًا في يده، ماذا يظنونني؟ طفلة؟ حمقاء؟ أنا الأميرة روليان سافيينج أبنة جلالته إليفيندرا سافيينج، إن لم يعاملوني بالاحترام الذي استحقه فسأريهم لما أستحق أن أكون وريثة للعرش من بعد جلالته”.
“سمو الأميرة، أتوسل لك.. هدئي من غضبك قليلًا، قد يسمـ..” ابتلع مساعدها كلماته في اللحظة التي وجهت له نظرة حادة بطرف عينها لينحني باحترام معتذرًا، رفع رأسه واتجهت عينه نحوي بنظرات توسل خالصة. أشعر بالشفقة لحاله.
“أتفهم غضب سموك و..” قاطعتني مدحرجة عينها: “بالطبع تتفهمين، عليكِ التعامل معهم ليل نهار” صمت لوهلة متذكرة سبب مجيئي هنا في المقام الأول.
“إنهم مثيرون للأعصاب.. طيلة الوقت، ولكن سموك..” صمت لوهلة متذكرة جميع التحذيرات والمحادثات التي خضتها منذ بداية اليوم، ومن منظور بعيد، عندما أشاهد روليان، أدرك نوعًا ما.. ما كان يحاول الجميع قوله لذلك اردفت:” سموك في منصب حساس، على الرغم من إدراكنا جميعًا كم أن رؤساء العائلات النبيلة أشبه بشوكة ضخمة في الحلق، لكنهم لا يزالون شوكة ضخــمة، أنهم يملكون خمسون في المئة من أراضي هذه المملكة تقريبًا وإن قرروا فجأة النزاع على السلطة، فستكون حربًا أهلية جلالتك في غنى عنها في ظروف كهذه”.
صمتت لوهلة وهي تحدق بوجهي وفي المقابل زفر مساعدها براحة وبدت نظراته شاكرة جدًا لي.
ليس أنا من عليه شكره..
اتجهت عيني بسرعة نحو شبح الملك الذي وقف في الزاوية وابتسم بامتنان لي، كانت هذه الفكرة التي يحاول إيصالها لي منذ البداية ولكن..
لازلت أتمسك برأيي نحوه، فموقف الاميرة مختلف هنا، هناك بالفعل حرب قائمة! كما أنها تولت أمور المملكة قبل أوانها لذلك بالفعل يجب عليها وضع النبلاء تحت أنفها حتى تضمن السلام داخل المملكة على الأقل.
ولكن قبل الحرب.. ما عذر الملك إليفيندرا؟
“على أية حال..” عاد انتباهي للأميرة التي تبدو أكثر هدوء الآن “يبدو أنك هنا بتقريرٍ لآخر مهمة، على الرغم من أن الفارس ألفـن منحني تقريرًا مختصرًا، لكن أريد سماع الأمر منك”.
تنهدت أحاول التفكير.. كيف يمكن للمرء منح تقريرًا واحد يلخص كل ما حدث؟ ومن أين عليَّ البدء بالضبط؟
“أريد لُب الموضوع جلنار”.
رفعت عيني نحوها وقلت دون تجميل..
“الأمر سيء.. جدًا”.
حدقت بوجهي دوت تعقيب، وكان من الجيد إيجاد مستمع واحد جيد وسط هذه الفوضى، كيف لي شرح أمر لا أفهمه ولكني أدرك خطورته؟
“تلك البوابات التي تتواجد بشكل عشوائي، إنها خطرة..”
“أليست هذه ملاحظة منطقية، إنها بوابة تساعد العدو في المرور لنا!” حركت رأسي نافية وقلت: ”البوابة نفسها أخطر بكثير من فكرة مرور العدو لهنا” يبدو أن فكرتي جذبت انتباهها وانتباه مساعدها معًا فقد بدت مصغية جدًا..
“لم تعلق البوابات في ذهني أكثر من تأثير وجود البوابة نفسها، الاماكن التي تواجدت بها البوابات أظهرت جميعًا إشارات على شيء واحد.. الموت! جميع الكائنات الحية حول البوابة كان تذبل وتموت بسرعة ولا أعني بذلك تحولها لرماد كما تفعل طاقة الإريبوس، إنها تموت فحسب، تأثير البوابة الواحدة كان منتشرًا على نطاق أكثر من ألف متر من وجودها! النباتات، الحيوانات، وحتى الطاقة حولها جميعها كانت تُمتص بسرعة في اللحظة التي تُفتح فيها البوابة”.
كانت هذه الفكرة تشغلني لمدة، ليس فقط خطورة البوابة.. بل ما هو أبعد من هذه النقطة..
“إلى ماذا ترمي فكرتك جلنار؟”.
أملت جسدي نحو مكتب الأميرة وقلت مباشرة:” إن كانت بوابة واحدة تأخذ هذا القدر من الطاقة من جانبنا، كم قدر الطاقة التي احتاجت له على الجانب الآخر حتى تمكنوا من فتحها؟”. بدت الأميرة مشوشة ولكنني أعلم أنها ستصل للمغزى بسرعة.
اتسعت عينها لثوانٍ إشارة لفهمها.
“سموك.. أتبدو لك هذه البوابات مستقرة؟ بوابة لا تُفتح إلا لدقائق، تسمح بمرور قلة من خلالها، ويمكن لسحر ساحرتنا إغلاقها، هذه ليست النتيجة النهائية، هذه البوابات ليست إلا تجارب أو اختبارات يقومون بها..”
ابتلعت أرطب حلقي، ومشاركة مخاوفي بصوت عالي كانت تسبب توتري وارتفاع نبضات قلبي أكثر مما تخليت ولكن بالرغم من ذلك طرحت جميع أفكاري أمامها.
“إن كانت تجربة صغيرة تسحب هذه الطاقة والحياة من طرفنا، ما مقدار الحيوات التي يضحي بها ملك الإريبوس ليتمكن من فتح بوابة من طرفه؟ وكم عدد الجنود الذي يملكهم ليضحي بهم بعد؟”.
سكوت أصاب الأميرة التي أراحت ظهرها ضد كرسيها وقد جالت عينها فوق المكتب، بدت شاردة ويبدو أن هذه الفكرة لم تطرق ذهنها حتى الآن..
“هناك الكثير من المنشقين الخونة من صفوفنا..” قاطعت الأميرة غير مهتمة بالرسميات “لقد رأيناهم بالفعل في الحرب، ملك الظلام يستخدمهم كدمى يضحي بها أمامنا، لا يمكنه أن يملك هذا العدد من الأفراد، إنه كوكب منفي سموك..” ارتفعت عينها نحوي بصرامة وقالت: ”أخبرني مباشرة بما تفكرين”.
الفكرة وحدها تثير قلقي بشدة ولكنها الفكرة المنطقية الوحيدة!
“ربما يضحي ملك الظلام ببعض مئات الجنود لتجربة هذه البوابات ولكنه يعلم أن بوابة كبيرة وقوية تحتاج لمصدر حياة وطاقة عظيم، ربما ينتظر الوصول لحالة مثالية، لبوابة مستقرة، وحينها لن يعتمد على حيوات جنوده.. بل على مصدر طاقة آخر! مصدر طاقة أكبر وأكثر خطورة، طاقة لا تنتهي”.
“أتقولين أن ملك الظلام يملك مصدر كهذا؟ لا.. هذا غير معقول! إنه مستحيل، كيف يمكن لرجل منفي أن يجد شيء كهذا؟ أهناك شيء مشابه حتى؟”
أجبتها بصرامة: ”أهناك تفسير آخر؟”.
سكتت وعينها تلتف في المكان وكأنها تحاول إيجاد أي سبب مختلف ولكنها لن تصل إلا لنتيجة نفسها، لقد كان عقلي يدور بلا توقف منذ أن رأيت حقول الطاقة في حديقة عائلة أركستوراي.. إما أنه يملك مصدرًا للطاقة، أو أنه يعرف مصدرًا وسيحاول الوصول له.
“كيف لنا مواجهة أمر كهذا؟” تمتمت وقد أقحمت أصابعها بين خصلات شعرها ممسكة برأسها.
“لا أعلم تمامًا، ولكن كل ما فكرت فيه كان السحر! لعنة سحر ظلام هي ما بدأت كل هذا لذا لابد من وجود سحر قادر على التصدي لبوابات كهذه”.
“ألم تتساءلي لما بحق الإله سحر الظلام محرم على الساحرات؟ لان لا سحر قادر على التصدي له، إنه سحر أساسه امتصاص الحياة من مستخدمه بأي شكل، ولتتهرب الساحرات من هذا الثمن كانت تقدمن التضحيات حتى تُمتص قوة حياة الأُضحية عوضًا عن أرواحهن، لم تتمكن الساحرات من التصدي لهن لذلك نُفين وسُجسن وعذبن، السبيل الوحيد لإيقاف سحر الظلام هو إيقاف التضحية المستمرة، وأظن أن ملك الظلام مستعد لتقديم جميع جنوده أضحية لساحرات”.
ظللت أنظر لوجه الأميرة المنفعل بصمت، أشعر برأسي يدور في حلقة مفرغة نتيجتها دائمًا واحدة لذلك وجدت نفسي أقول ببرود كان غريبًا حتى علي:” إذًا.. نحن هالكون!”.
أجفلت بشدة عندما ارتطمت يد الأميرة بالمكتب أمامها وقد وقفت فجأة وبدت عينيها مشتعلتين بغضب بينما تنظر نحوي..
“هالكون؟ أتُمازحينني؟ لن يهلك أحد... ولن يموت أحد، ستفعلين كل ما يمكنك فعله أنتِ وفرسانك حتى نُحافظ على هذه الممالك قائمة كما هي، لا يهمني كم من الوقت والمجهود سنبذل، وإن قدمت حياتي تضحية في سبيل ذلك سأفعل جلنار روسيل، لذلك لا أريد أن أرى ابنة التوبازيوس ورئيسة الفرسان تقف أمامي بكل هدوء بينما تخبرني أن أترك شعبي يموت، سنجد حلًا وإن لم نفعل فسأقاتل لآخر نفس أملك حتى وإن اضطررت الوقوف وحدي أمام صفوفهم ولا أملك إلا سيفًا خشبيًا..”
زممت شفتي أنظر لوجهها الغاضب بينما يحاول مساعدها تهدئتها..
“أفهـــمــــتِ؟”.
صاحت في جهي وكانت تلك المرة الأولى التي ِأشهد فيها ثورانها.. وقد كان مبررًا.
لذلك أومأت قائلة بهدوء: ”أمر سموك”.
كانت أنفاسها المتسارعة تعلو الغرفة، ألقت بجسدها على الكرسي ودلكت رأسها في محاولة للهدوء.. “اعذري انفعالي”. اعتذرت بنبرة أكثر انخفاضًا دون النظر نحوي.
عيني اتجهت بنظرة سريعة نحو شبح الملك الذي وقف في مكانه ينظر لها بأكثر النظرات فخرًا واعتزازًا.. يُسعدني ترابطكم الأسري ولكن أبنتك على شفا قتلي!
أعدت انتباهي للأميرة قائلة: ”أعتذر أن أزعجت سموك ولـ..” قاطعتني مجددًا: ” تبًا لهذه الرسمية جلنار! لا يغضبني حديثك بل تلك النظرة الانهزامية على وجهك! لن تتوقف أحدنا حتى نوقف هذه المهزلة، لدي شعب أحميه ولديك عائلة تحميها، لذلك لا تتجرأِ وتنظري مجددًا في عيني بهذه النظرة، وإلا سيكون نصل سيفي هو الشيء التالي الذي تريه”.
كان تهديدًا واضحًا وصريحًا بقطع رأسي ولكن لسبب ما لم أكن خائفة، بل شعور بالخجل تسلل تحت جلدي ببطء.
“سأتحدث مع جلالة الملكة ديمتريا لأرى إن كان باستطاعتها المجيء لاجتماع طارئ”. هدأ صوتها وقالت بينما تشير لمساعدها حتى يدون المهمة.
“يمكنني الذهاب بنفسي، ملكة الساحرات تملك مزاجًا صعبًا قليلًا ولا نمـ..” قاطعتني بصرامة قائلة: ” لا، عليكِ البقاء وإكمال تدريباتك واتركي الأمر علي، كما أن الملكة ديمتريا تظهر إعجابًا خاصًا بالنساء القويات، ويبدو أنك أثرت إعجابها بشكل خاص، لذلك لا أظن أنها ستمانع المجيء”.
حسنًا، لا تبدو فكرة سيئة في كل الأحوال، فالتنقل من مكان لآخر والتعامل مع مزاج الملوك السيء مؤخرًا أصبح مرهقًا جدًا.
“في الواقع، أردت السؤال عن أمر آخر” قلت جاذبة انتباهها لتومئ لي حتى أسأل ما أريد “تبدو البوابات التي يحاولون فتحها غير مستقرة وضعيفة، لذلك كيف تمكنوا من الهجوم على المملكة والاستيلاء على مقاطعة كاملة من الحدود؟”. لقد حاولت كثيرًا تخيل تلك الليلة المرعبة، ولكن لم أستطع التوصل لنتيجة مرضية، فقد بدا أنهم استطاعوا نقل عددًا كبير من الجنود وقتها وحتى المعركتين التي تلت تلك الليلة..
لم تبدو الأميرة سعيدة جدًا باسترجاع تلك الذكرى، الأمر مرسوم على وجهها بالكامل، بل على وجه مساعدها أيضًا، لذلك ظننت أن التراجع عن سؤالي هو التصرف الأكثر مراعاة وذكاء ولكن منعتني الأميرة عندما قالت: ”سأخبرك بشرط، عليكِ إجابة سؤال يشغلني في المقابل”.
ألا تدرك أنها أميرة؟ يمكنها فقط إلقاء الأمر وسأخبرها بما تريد! ولكن في كل الأحوال كنت لأجيب على اسئلتها لذلك أومأت موافقة.
تنهدت بقوة ونظرت لكفي يدها المتشابكين بينما تقول:” لم يكن هناك أي حوادث سابقة، تحذير، أو حتى إشارة واحدة تدل على حدوث هجوم كهذا.. لازلت أتذكر اللحظة بكامل تفاصيلها، كنت في شرفة غرفتي حينها، في لحظة واحدة من بين جميع السُحب بدا أن القمر ليس الكوكب الوحيد الموجود في سماء الإلترانيوس! ظهر من العدم فجأة، كوكب رمادي لشدة قربه ظننت أنه سيصطدم بنا، ظننت أننا أموات لا محالة” التفتت تنظر لنافذة المفتوحة خلف مكتبها تحدق بالسماء وكأنها سترى ذات الكوكب يظهر فجأة..
“شعرت بتفكيري يُشل، جُلُّ ما فكرت به كان أبي، كان من الواضح أننا لن ننجو أو هذا ما خطر لي، لذلك انطلقت راكضة متجاهلة جميع الحرس أبحث عن والدي في أرجاء القصر، إن كنا سنموت.. لنمت معًا، هذه كانت فكرتي الوحيدة بينما أركض خلال ممرات القصر. أثناء بحثي عنه كان يمكنني بسهولة سماع صراخات الأهالي من خلال نوافذ القصر المفتوحة، أتعلمين كم تبعد عنا مقاطعات الحدود؟ يمكنك تخيل كم كانت صرخاتهم عالية حتى يصل دويها إلى هنا”.
لقد خضت معركتين ضد الإريبوس، وفي الاثنين كان يمكنني ملاحظة العنف وانعدام الرحمة التي يتصف بها جنودهم، لذلك لا يمكنني تصور كيف تمكنت عائلات لا تملك سلاحًا ولا وسيلة دفاعٍ عن نفسها ضد قوة كهذه أن تصمد!
“لقد جمعوا جُلَّ قوتهم في هذا الهجوم، كانوا يستعدون لأعوام طويلة فقط لهجوم واحد، لا نعلم بعد ما يدور وما يحاولوا الوصول له، ولكنهم ظنوا أن بإمكانهم إطاحة الإلترانيوس ما إن يتمكنوا من الاستيلاء على مقاطعه واحدة فقط داخلها..”
كالسرطان! يريدون التشبث في المكان ثم يتسللون شيئًا فشيئًا لبقية المملكة.
“البوابات الصغيرة التي رأيتها في مملكة المتنكرين، يمكنك تخيل العشرات منها بحجم أكبر وأكثر تأثيرًا، هذه كانت شهادة الناجين من المقاطعات تلك الليلة، كانت جنودهم تمر خلال تلك البوابات كموجات من الدخان الأسود تحيل كل كائن حي أمامها لرماد، لذا إن كان تفسيرك صحيحًا، لابد انهم قاموا بتضحية ضخمة لفتح بوابات كهذه”.
أرحت ظهري ضد الكرسي لوهلة، كل ما يمكنني تصوره عن الإريبوس أنها مملكة فارغة، مملكة تفوح منها رائحة الموت، لابد أن جميع سكانها أما لقى النصف حتفه أثناء نفييهم والنصف الآخر مصاب بالمرض والجوع ولم يتبقى منهم سوى الجنود والأشخاص المصابون باللعنة، لذلك من أين بحق الإله يمكن لملك الظلام إيجاد كل هذه الطاقة لفتح بوابات كهذه؟
“إنه دوري”.
انتزعتني جملتها عن أفكاري جاذبة أنظاري نحوها، ابتسمت قائلة: ” بالطبع سموك، يمكنك سؤالي ما تريدين”. زمت شفتيها لثوانٍ وبدت مترددة بعض الشيء..
“كيف يبدو؟”. ارتفع حاجباي باستغراب وكررت أحاول الفهم “كيف يبدو من؟”. حدقت بوجهي بتركيز شديد وقد انحنا جسدها فوق المكتب قليلًا بينما تقول بحذر وصوت منخفض وكأنه قادر على سماعنا “ملك الظلام! لقد رأيته خلف البوابة.. كيف يبدو على الحقيقة؟ أهو كما تقول عنه الحكايات؟”.
ظللت أحدق بوجهها بصمت، أبحث عن إجابة مناسبة فتحت شفتاي بتردد أحاول تنظيم كلماتي “مـ.. ملك الظلام.. أنه..” التفكير به لوحده مزعج، حدقت بعينها التي غزتها نظرات الفضول والحذر وبدأت صورته تقفز لرأسي فجأة..
شعرت بجسدي يتجمد وانا أنظر للأميرة، شعرت فجأة أنني انظر لملك الظلام بنفسه، أبعدت عيني بسرعة عن الأميرة أحاول السيطرة على أفكاري، كان هارليك يحدق نحوي بذات النظرات يشعر بذات الفضول الحذر..
“بدا رجلًا عادي.. عادي لدرجة غير مريحة” قلت الفكرة الأولى التي طرت في رأسي بينما أحدق بيدي أشعر ببرودة أطرافها فقط لمجرد تذكره.
أعدت أنظاري للأميرة التي عقدت حاجبيها بعدم فهم “كان.. هادئًا جدًا.. و.. ولكن..” حاولت تنظيف حلقي ومجددًا بدا لي فجأة وكأنه يقف خلف الأميرة مباشرة، يحدق بي بابتسامة ساخرة ويده تتسلل نحو ظهر المقعد الخاص بالأميرة.
تلك الأحلام المزعجة واللعينة..
أغمضت عيني لوهلة أحاول التخلص من صورته داخل عقلي.
“هل أنتِ بخير.. جلنار؟”.
نظرت للأميرة بينما أحاول تنظيم أنفاسي قبل أن تلاحظ “اعذريني سموك، يبدو أن الأيام الأخيرة كانت مرهقة” بالرغم من أنها ليست كذبة بالكامل إلا أنها كانت حُجة في هذا الموقف ومن الواضح أن الأميرة لم تلتقط الطعم..
وعلى الرغم من ذلك رسمت ابتسامة مواسية وأومأت بتفهم قائلة:” اعتذر إن حملتك فوق طاقتك، أرى أن ننهي اجتماعنا ها هنا، فقد عرفت كل ما أنا في حاجة لمعرفته”. نهضت من مكاني ليفعل كل من يوجين وهارليك بسرعة “يمكنك الارتياح لبقية اليوم، وسأرسل مع السيد أوكتيفيان أي أخبار تخص ملكة الساحرات”.
أومأت بشكر قبل أن ينحني كل مني أنا وهارليك باحترام وأستأذن بالخروج من المكان.
في طريقي للباب التقطت عيني بشبح الملك الذي كان يراقبني بهدوء كعادته وكأنه غير موجود، النظر نحوه دفعني للوقف فجأة والالتفات نحو الأميرة قائلة: ”سموك، إن كان جلالته يشاهد الآن، أراهن أنه لكان فخورًا جدًا بسموك”.
ظلت شفتيها مطبقتين بينما تحدق بوجهي بتعبير جامد، ارتفعت زاوية شفتيها بشكل شبه ملحوظ قبل أن تنحي رأسها بهدوء قائلة: ”أتمنى ذلك”.
أوه! أنتِ لا تملكين أية فكرة كم يبدو هذا الرجل فخورًا بكل جدية، تمنيت لو كان باستطاعتي إخبارها ولو شيئًا بسيطًا، أردت هز كتفيها مشيرة لشبح الملك صارخة بأبيكِ ها هنا يراقبك في كل لحظة.
لكني أعلم أنني ما كانت إلا لأزيد الأمور تعقيدًا، وفي النهاية هذه ليست قصتي حتى أتصرف بها كما أريد.
توقفت أمام الباب متذكرة فجأة أمرًا أخيرًا، ولكنني ترددت في إخبارها به.. لم تبدو الأميرة مرحبة جدًا بأي شيء يخص النبلاء لذلك التفت بسرعة قائلة: "سأرسل السيد أوكتيفيان لإخبارك ببعض التفاصيل الصغيرة لاحقًا". بدت علامات عدم الفهم على وجهها ولكنني كنت قد قررت إلقاء الأمر على أوكتيفيان.
سيتمكن هو من إخبارها بلقاء النبلاء بأورال.. وربما سيتحمل بعض السُباب واللعنات.
علي تعويضه لاحقًا.
نفس طويل غادر صدري اللحظة التي غادرنا فيها المكتب، شعرت بثقل قوي يُزاح عني، وثقل آخر يُضاف له.
“أشكرك.. كانت هذه الكلمات لطف شديد منك”. نظرت للملك الذي كانت عينه لاتزال متعلقة بمكتب ابنته قبل ان ينظر نحوي بامتنان “كنت أحاول أيصال شيء من الحقيقة ليس إلا جلالتك” همست باحترام حتى لا يسمعني أحدهم.
“إذًا يمكنك بالفعل اختيار متى ولمن تكون مرئيًا ومتى لا؟” وجه يوجين سؤاله للملك بينما نسير خارج القصر.
أومأ برأسه مجيبًا: ”يمكنك قول هذا، لم يكن ينجح الأمر كثيرًا في البداية..” قاطعه يوجين ببعض الفظاظة “ولكنه نجح في النهاية”. أومأ الملك بهدوء، أخذ يوجين نفسًا قويًا ونظر لعيني الملك قائلًا: ”مع كامل احترامي جلالتك، لن أتمكن من إخفاء مشاعر السخط اتجاه جلالتك لفترة”.
أردت بشدة إغلاق فمه قبل أن يتفوه بالمزيد من الترهات ولكن قهقهت الملك لم تبدو كقهقهة شخصًا يفكر في إعدامنا جميعًا.
“أن لم يكن الأمر غير مريح لكم.. أيمكنكم العودة لمناداتي إليف؟ كنت ممتنًا للتخلص من لقب ’جلالتك’ لبعض الوقت” طلب وقد بدا جادًا جدًا ليرفع يوجين كتفيه قائلًا: ”لا أملك مشكلة بتاتًا، ولكن هذه الحمقاء ستعاني لمناداة شخص أكبر منها بلا ألقاب، إنها تملك مشاكل ضد كبار السن”. همس بجملته الأخيرة والتفت في نية صفع رأسه لكنه هارليك قاطعني فجأة :” يبدو المكان هادئًا جدًا”.
ارتفع حاجبي وحدقت بالملك ويوجين قبل أن أدحرج عيني قائلة: ”صدقني، هذا افضل مما أعاني منه”.
كيف يمكن لوجود شبحين حولي أن يكون غير مريح بالمرة؟
يوجين! لا داعٍ لتفسير، إنه العنوان الطبيعي لعدم الراحة والإزعاج والإذلال في أسم واحد، أما الملك، كيف بحق الله يريد مني التصرف بطبيعة كما كنت أفعل؟ إنه ملك هذه المملكة كلها! أنه يفوق النبلاء والأميرة وكل من قابلته حتى الآن.
وماذا كنت أفعل أنا في كل مرة أقابله فيها؟
لم أترك لحظة ولا فرصة إلا وأخرجت جميع أحقادي وكرهي ضد نظام مُلكه وطريقة حكمه أمامه شخصيًا، أشعر برغبة في طعن نفسي لشدة الإحراج وعدم الشعور بالراحة.
ألم يكن يختفي بعد عد دقائق من ظهروه؟ لما اليوم قرر البقاء؟ يخالجني شعورٌ بعدم الراحة بسبب الإحراج الذي أشعر به أمام هذا الرجـ.. أعني الشبح..
تبًا لما الأمر بهذا التعقيد؟
صرخة هارليك السعيدة بينما يركض نحو كارولوس في اللحظة التي خرجنا فيها من حديقة القصر دفعتني بعيدًا عن أفكاري للحظة، مما ذكرني.. بعيدًا عن كل هذه التعقيدات في حياتي، ألا أن لحظات صغيرة كهذه لازالت قادرة على دفعي للابتسام براحة.
حتى يوجين الأحمق الذي ركض خلف هارليك نحو كارولوس بدا ظريفًا رغم حماقة مظهره.
“أعلم أن يومك كان متعبًا..” التفت نحو شبح الملك ومجددًا عاد شعورٌ بالإحراج يخالجني.. وقف بجواري بينما جمع كفي يده خلف ظهره وهو يراقب كل من الثلاثي يتمازحون معًا ويحاولون الطلوع على ظهر كارولوس الذي يستمتع بإلقائهم من فوقه كل مرة..
“أتمنى أن وجودي لم يزد من هذا التعب”. يا رجل! أكان الأمر مرسومًا على وجهي بهذا الوضوح؟
تنهدت وأردت الإنكار ولكنني أعلم جيدًا أنه مدرك لعدم راحتي “لا بأس، لقد كانت مفاجئة.. غريبة” حاولت إيجاد كلمة مناسبة لوصف الأمر ثم أردفت:” أشعر فقط ببعض الخجل من نفسي” خرجت منه قهقهة صغيرة وبدا غير مبالي بالمرة مقارنة بي.
“ربما السبب الذي قلته لصبي سباستي عن سبب اخفائي نفسي كان صحيحًا ولكن.. لم يكن هو السبب ذاته الذي دفعني لإخفاء هويتي عنك”. ارتفع حاجبي والتفت انظر نحوه ولكنه تجاهل نظراتي وظلت عينه معلقة بمجموعة الحمقى وأردف:” في الحقيقة، حتى ظهوري أمامكِ لم يكن ليفيدني كثيرًا، فما في يد أحدهم حيلة لتنقذني من محبسي، لكن بعد مراقبتكم لفترة طويلة.. كنت أشعر بالفضول كثيرًا لأتحدث معك، ليس كملك! لكن كرجل تعرى من جميع ألقابه ومقامه ومن جسده حتى، ربما قد يبدو حديثي مبهرجًا وغير مفهوم ولكن من الجميل من وقت لآخر أن ترى نفسك بأعين الآخرين حتى لا يأخذك الزهو بنفسك فتضل سبيلك في الحياة، ومكانتي كملك لم تكن تسمح ولو لمرة لرؤية نفسي كما يراني الناس حقًا، وليس كما يريدون أن أظن أنهم يروني”.
ظللت أحدق في وجهه الشبه مرئي لوهله، لم يبدو كلامه مبهرجًا ولا معقدًا، كان بسيطًا، بسيط جدًا لدرجة دفعتني لتفكير بجدية، من هو الملك إليفيندرا حقًا؟
بالرغم من الفوضى التي تغرق فيها هذه المملكة لم أسمع يومًا أحدًا حاول التقليل منه أو حتى إلقاء اللوم عليه -إن استثنينا نفسي- لذلك ظننت أنه رجل حيادي بشكل سلبي، تلك الحيادية التي تُخرجك من الصورة تمامًا حتى تبقى في شكل سليم أمام الشعب كاملًا.
ولكن هذه ليست كلمات رجل بهذه السطحية.
وعلى أي حال، كان من المريح سماع هذه الكلمات، فقد أزاحت عني بعض ثقل تأنيب الضمير الذي كان يلازمني منذ معرفتي بهويته.
“أعتقد أنني أفهم مقصدك تمامًا جلالـ.. أعني سيد إليف”. التفت بكامل جسدي نحوه بينما ألاحظ اتساع ابتسامة الاستحسان على وجهه، بدا أكثر راحة ما إن عدت لمخاطبته بإليف..
“أود حقًا مساعدتك سيدي، أريد فعل كل ما يمكنني لإعادتك لوطنك، لمنزلك، لابنتك..” نظرت نحو القصر لوهلة ثم نحوه مردفه: ”ربما لا يمكنك إعطائي حلًا مباشرًا ولكن سيسعدني جدًا الحصول على وتوجيهاتك طيلة الطريق حتى نتمكن من إعادتك سالمًا”.
حدق في وجهي للحظات، ثم ارتسمت ابتسامة كبيرة على وجهه، ربما كانت هذه أوسع ابتسامة أراها على ثغره منذ لقائنا..
لم يقل شيئًا، فقط ابتسم قبل أن يومئ بموافقه.
نظر نحو الثلاثي وقال:” إذًا، أظن أنه قد آن أوان إعادة الصبي سباستي إلى الأكاديمية..” أعاد أنظاره نحوي وتابع: ”لديك زيارة مؤجلة مهمة”.
كاريان..
ألقيت نظرة خاطفة نحو السماء التي انتشر اللون البرتقالي بين غيومها، كانت الشمس تغيب ويكاد اليوم ينتهي. لكن جلالته محق، كما أنه الوحيد القادر في الوقت الحالي على إيصالي لمكان كاريان أيًا يكن مكانه.
لم تكن إعادة هارليك للأكاديمية عملية صعبة، ولكن في اللحظة التي تركته فيها أمام بوابة الأكاديمية بدأ في التذمر وإبداء رغبته في مواصلة اليوم معي.
إقناعه لم يكن مستحيلًا، فكل ما كان عليّ قوله أن يوجين سيبقى معه في الأكاديمية لينطلق بسعادة غامرة بينما يشرح ليوجين عن أي تدريب سيبدأ به.
ظللت أحدق بظهره وهو يبتعد مرورًا ببوابة الأكاديمية الضخمة “متى ستظنين أنه سينتبه؟” مال يوجين نحوي سائلًا، فضحكت مجيبة: ”ربما لن يفعل حتى عودتنا”.
التفت كلانا بسرعة نحو ضحكة السيد إليفيندرا وقد بدا مستمتعًا جدًا بوقته معنا.. حسنًا هذا مريح نوعًا ما!
تحركت مجددًا لأمتطي كارولوس والذي لم يكن على الصعب عليه رؤية السيد إليفيندرا واتباعه طيلة الطريق. إلهي! أحيانًا أتساءل كيف ستبدو رد فعل شخص يمكنه رؤية الأرواح أن شاهد هذا المشهد؟ تنين ضخم وروحين يحلقان حوله!
أحيانًا عند التفكير جيدًا في الأمر.. يومي العادي ليس عاديًا بالمرة!
عندما استغرق في التفكير في حياتي الحالية، أشعر وكأن عقلي يمر بنوبة هلع صغيرة عندما أدرك أن هذه ليست بحياة موازية! لن أستيقظ فجأة في سريري إذا ما وقعت من مكان عالٍ، ولن أفتح عيني مجددًا وأحصل على حياة جديدة إذا ما اخترق سيف قلبي، فهذه ليست بلعبة كالتي اعتاد اخي لوش اللعب بها.
أشعر في بعض الأوقات أنني لا أعيش هنا وكأنني...أعيش! لذلك أقضي معظم الوقت في محاولة إقناع نفسي أن هذه ليست حياة تجريبية أو خيال أعيشه، إنها حياة حقيقة.
أجفلت بعيدًا عن أفكاري في اللحظة التي ارتدت فيها جسدي عند هبوط كارولوس القوي فوق الأرضية.
نظرت حولي أحاول تبين أين هبطنا تمامًا، أشبه بطريق معزول لا توجد مركبات أو حتى منازل حولنا. وكان الضباب يتصدر المشهد بشكل غير مريح.
نظرت نحو السيد إليفيندرا في محاولة لفهم أين نحن تمامًا!
“سنكمل طريقنا من هنا مشيًا على الأقدام، تنينك سيجذب الكثير من الانظار”. حسنًا إنه محق!
ترجلت من فوق ظهر كارولوس قبل أن أداعب وجهه وعنقه مستمتعة بخرخرته التي تشبه القطط كثيرًا لكن أعمق وأعلى صوتًا.
“ابقَ هنا، سأعود في لمح البصر”.
كان من اللطيف دوما الشعور بموافقته على ما أقول أو أطلب.
التفت للجهة المعاكسة برفقة السيد إليفيندرا ويوجين نسير عبر هذا الطريق بينما ظللت أحدق في المكان في محاولة لرؤية أي معالم للحياة “اعذرني سيد إليف لكن.. أين نحن بالضبط؟” سألت أخيرًا ليشير بيده لنقطة بعيدة أمامنا..
“أحد مقاطعات الحدود.. إنها نوعًا ما فارغة بسبب نزوح السكان لأراضي النبلاء، ولكن الشابة اختارت هذا المنزل الفارغ لتخبئه الإريبوسي”. حدقت في الأفق أحاول التقاط المنزل بعيني، فقد كان من الصعب رؤية شيء أبعد من طول ذراعك بسبب الضباب الكثيف الذي غطى المكان.
بعد عدة خطوات كان بإمكاني أخيرًا رؤية مقصد السيد إليفيندرا، بعض المنازل المتفرقة بدأت في الظهور، وكان من الصعب تجاهل الشعور السيء الذي يحوم حول المكان بسبب شكله المهجور.
“هذه المقاطعة عادة ما تعج بالسكان، الآن فقط عاد قلة جدًا لمنازلهم والبقية لازالوا ينتظرون التعليمات التي تأمر بعودتهم لمنازلهم..” التفت السيد إليف نحوي معقبًا: ”تعليماتكم”.
تعليماتنا؟
توقف السيد إلف عن المسير والتفت نحوي بتعبيرات بدت لي نوعًا ما مندهشة..
"لما تبدو تعابيرك وكأنك غير مدركة أن وضع سكان الحدود مرهون بتعليمات الفرسان؟". تبًا!! الأمر ليس أنني غير مدركة، بل وسط معمعة الأحداث، تلقائيًا ظننت أن سموها ستتكفل بهذه الأمور.
"لقد ظننتِ أن سموها ستتكفل بكامل الأمور؟" سؤاله طابق أفكاري تمامًا، لقد بدأت أصدق بكل جدية أن بإمكانه قراءة الأفكار وهذا يجعل الأمر مخيفًا.
"في الواقع، نعم، ظاهريًا على الأميرة التكفل بهذا الأمر، لكن من الحكمة ان تنتظر الأميرة رأي وتقييم الفرسان، ففي النهاية أنتم الوحيدون القادرون على قياس الموقف". السيد إليف محق تمامًا.. تصرف الأميرة في الانتظار كان مناسبًا.
لكن تصرفي أنا وسهوي كان قمة في الإهمال والاعتمادية لذلك عليَّ تصحيح الأمور فور عودتي للأكاديمية، علي التشاور مع البقية أولًا.
"لا يمكننا تركهم مقيمين على أراضِ الحدود لفترة طويلة، ربما يصمت النبلاء وخاصة ألفن في الوقت الحالي لكن ليس من الذكاء -كما يخبرني الجميع مؤخرًا- اختبار صبرهم" قلت أحاول شرح افكاري بصوت عالٍ بينما نتابع السير.
"ولكن في المقابل، بعد حوادث البوابات التي تستمر في الظهور، لا يمكننا التأكد من سلامة أراضي سكان الحدود، خاصة أنها أراضٍ أعتاد الإريبوس فتح بواباتهم فيها، لازال من الغامض جدًا لنا فهم طريقة عمل قوة الإريبوس، لذلك أنها معضلة صعبة الحل بشكل أو بأخر" نوعًا ما كان من الجيد تمكني من مشاركة مشاكلي مع الملك شخصيًا، أعني لابد أنه يملك حلًا بشكل أو بآخر.
"أهذه طريقتك لطلب مشورتي؟". حسنًا أنا على مقربة جدًا من تصديق أن أفكاري بالكامل مكشوفة هنا.
"من النظرة على وجهك من الواضح أنك تظنين أنه يقرأ افكارك". التفت ليوجين الذي مال هامسًا بجانب أذني، كان وجهي يوحي بالموافقة تمامًا على كلامه، الأمر مريب.
"لا أقرأ أفكارك" صوت السيد إليف العالي كان أشبه بصوت شخص بدأ يشعر باليأس من حماقتنا. "إنه فقط من السهل تخمين بعض أفكارك بعد مراقبتك لفترة من الوقت". أردف قائلًا قبل أن يتنهد.
لا أعلم إن كان عليَّ الشعور بالراحة أم المزيد من الغرابة.
أيراقب كل شي؟
"على أي حال، أرى أنه من الحكيم إعادة سكان الحدود لمقاطعاتهم لتجنب أذيتهم بأي شكل من الأشكال، ولكن مع الحرص الكافي لتوفير حماية مناسبة لهم، إنها معضلة كما قلتِ، ربما هناك طريقة ملتوية تدفع حرس النبلاء للدفاع عن أرضي الحدود!".
حسنًا، قد يبدو هذا الحل الوحيد المطروح على الطاولة بما أن غالبية الجنود الموجودين لازالوا يتعافون من المعركة الأخيرة، والبعض الآخر منشغل بحراسة الأرضي الملكية.
لكن كيف لك أن تقنع نبيلًا أن يتخلى عن قوة حراسته في سبيل حماية أفراد مستعدون لتضحية بهم في أي وقت؟!
"بالمناسبة، لقد وصلنا!" علق السيد إليف ليدفع كل مني أنا ويوجين النظر حولنا.
"المكان هنا يغطيه الضباب بشكل سيء" هتف يوجين بينما يحدق في الأرجاء بأعين ضيقة في محاولة لرؤية تضاريس المكان حولنا.
حدقت بالمنزل البسيط الواقف في المكان، حوله سور خشبي متهالك نوعًا ما، أما المنزل نفسه كان أكثر تماسكًا. ذو طابق واحد وسقف خشبي بني اللون.
أردت تفحص المكان أكثر لكن تعليق يوجين كان صحيحًا، الضباب هنا يجعل من الصعب رؤية تفاصيل ما حولك.
كان كل شيء هادئ جدًا، هادئ لدرجة ساعدتني لسماع صوت الحشائش الصغيرة تُسحق تحت أحذية أحدهم من خلفي، وبما أن رفيقاي شبحان، كان من الواضح أن هناك رفقة في المكان.
وفي اللحظة التي صاح يوجين فيها لتنبيهي كنت قد سبقته متحكمة في موجة عالية من الهواء لتلتف حول جسد الشخص من خلفي وترفعه بسرعة في الهواء.
الصرخة الأنثوية كسرت الصمت تلاها صوت ارتطام الهِراوة الخشبية بالأرضية.
"هذا رد فعلٍ سريع.. أكثر مما توقعت" تمتم يوجين بينما يحدق بالفتاة التي حلق جسدها على بعد أقدام من الأرضية. أنزلت جسدها بحذر ما إن أدركت أنها ليست إلا نريليا، رفيقة كاريان من الحدود.
ظلت تحدق بوجهي بأعين متسعة والفزع مرتسم على كامل وجهها.
"لقد تقابلنا مجددًا" قلت بابتسامة في محاولة لتهدئتها، كانت صامتة لبعض الوقت قبل أن تمسح وجهها بكف يدها المرتجفة بتوتر، انخفضت لالتقاط الهراوة من فوق الأرضية، لكنها لم تستقم، ظلت جالسة على أمشاط قدمها وكأنها تلتقط أنفاسها وقد أسندت مقدمة رأسها ضد ذراعها.
"ظننتكِ أحد الحرس" قالت بصوت مكتوم تخللته رجفة سيئة، وكأنها على وشك الانفجار في البكاء.
تحركت نحوها وانحنيت جالسة على أمشاط قدمي بدوري أقابل وجهها. ترددت لثواني ولكنني حزمت أمري ومددت يدي ممسكة بكتفها برفق "أعتذر على مفاجئتك، لكني لم أكن أملك وقتًا آخر يمكنني فيه زيارتكما إلا اليوم".
ارتفع رأسها ونظرت لعيني وقد التمعت عينها قبل أن تسيل دموعها فوق وجنتيها المحمرتين "لا تملكين أيةَ فكرة عن كم أنا ممتنة لوجودك هنا" بصوت متحشرج قالت قبل أن تتسلل شهقة صغيرة من بين شفتيها الرقيقتين.
ما الذي يحدث لهما؟
"هل كاريان بخير؟" سألت فورًا لتنهمر المزيد من الدموع فوق وجنتيها، حركت رأسها للجانبين وقالت بينما بدأ البكاء يغلب صوتها: "إنه في حالٍ سيئة، إلهي كم يحاول بكل ما يملك من قوة كبح جماح نفسه لكنه يتأذى جلنار لذلك.." بدأت تفقد السيطرة على شهقاتها ولكنها أردفت رغم ذلك: "أنا سعيدة أنكِ هنا، ظننت أننا وحدنا، لقد خرجتِ ذلك اليوم معترفة بأنك بشرية، لم أشعر أن الأمر حقيقي حتى رأيتك تعترفين به أمام الجميع، لذلك كان من الواضح أنك بالفعل شخص مهم، مهم جدًا، ظننت أنك نسيتِ أمرنا وسط المسؤوليات التي تعي.."
كان من الواضح أنها تقول كل ما يخطر في رأسها، كشخص يشعر بالراحة لأول مرة منذ وقت طويل، وعندما تركت جماح نفسها توقفت عن الحديث بينما تشهق أكثر من مرة، خبأت وجهها بين كفيها اللذين لم يتوقفا عن الارتجاف، ومن بين شهقاتها وأنينها كررت بصوت مكتوم: "ظننتكِ نسيتِ أمرنا".
توقعت دئمًا أن مواقف كهذه ستضعني تحت ضغط شديد بسبب المسؤولية التي سأشعر بها اتجاه الآخرين..
ولكن كل ما شعرت به في هذه اللحظة هو تعاطف خالص.
فلسبب واضح كنا نتشارك الموقف ذاته، لكن الفرق الوحيد أنها شخص عاجز أكثر مني ومن أتريوس بمراحل.
لذلك وجدت أن الأمر الصحيح فعله هو جذب جسدها واحتضانها بينما أربت على ظهرها بهدوء هامسة "سيكون كل شيء بخير".
استغرق الأمر عدة دقائق حتى تمالكت نفسها وهدأت تمامًا. نهضت وساعدتها على النهوض لترتب فستانها البسيط وتكفكف دموعها.
عدلت خصلات شعرها وعندما شعرت أن كفيها غير كافيين جذبت أكمام ردائها ومسحت عينيها جيدًا، التفت نحوي وسألت: "كيف أبدو؟". كان هذا غريبًا لكنني أجبت "جميلة!". ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها ولكنها قالت: "هل أبدو كمن أجهشت في البكاء؟". احمرار عينها دليل كافٍ لكن أراهن أن أحدًا قد يلاحظ في هذا الظلام.
لذلك حركت رأسي للجهتين للتنهد بارتياح.
"اتبعني" قالت بينما تتجه نحو باب السور تدلف من خلاله.
ألقيت نظرة سريعة ليوجين لأدحرج عيني في اللحظة التي رأيتها يحاول مسح دموعه. "لا تملك دموعًا يا أحمق" همست لتتبدل تعبير وجهه المتأثرة لأخرى غاضبة ويهمس بنبرة حادة "دعيني أحظى على الأقل بالتظاهر أنني أبكي، المسكينة تعاني كفاية لدفعي للبكاء على حالها".
تجاهلته وتبعت نريليا للداخل.
أمسكت بمجموعة من الأكياس الموضوعة بعناية بجوار باب المنزل، قبل أن تفتحه وتدلف للداخل.
"أنه منزل عائلتي، لكنهم جميعًا باقون في الوقت الحالي في الأقسام المخصصة لنا على أرض ألفن" شرحت بينما تسير في المكان المظلم بسهولة وكأنها تعرف تضاريسه وأماكن تواجد أثاثه.
أشعلت يدي ببعض النيران لتضيء المكان لكنها التفتت بسرعة وقالت: "أرجوكِ أطفئيها". كان من الواضح أنه ليس طلبًا صغيرًا لذلك نفذت قبل أن أسأل عن السبب.
"هناك آخرون مازالوا في منازلهم في هذه المنطقة، لا أريد من أحد أن يعرف أن أحدً في المنزل". حسنًا هذا تفكير حذر وسليم.
أومأت بتفهم وحاولت بصعوبة تبين موضع قدمي بينما أتحرك نحوها قائلة: "هل كاريان بخير؟ لقد أقلقتني بحديثك أن كان عليَّ أن أكون صريحة". كان يمكنني سماع تنهيدتها من هنا قبل أن تتمتم: "إنه على قيد الحياة". هذا لا يجب أن يكون الشيء الوحيد الذي يمكنها ذكره!
كان رؤيتها صعبة في هذا الظلام لكن عيني بدأت تعتاد حُلكة المكان وعلى الرغم من ذلك شعرت بها تؤلمني كلما حاولت التركيز أكثر.
"يجب عليَّ الاعتذار على محاولة مهاجمتك، فلم أعتد وجود أحدًا حول المكان، أردت جلب بعض المناشف والطعام ولكن رؤيتك واقفة أمام المنزل أخافتني كثيرًا، لم يكن علي المهاجمة دون تفكير". يمكنني تفهم وضعها ولكن إن كان شخصًا آخر لكانت في مشكلة لمهاجمته.
"لا بأس، لكن أتمنى أن تتأكدي من ضحيتك المرة القادمة، لا نريد التورط في تخبئه جثة شخصٍ غريب" كان من المفترض أن تكون هذه مزحة مضحكة لتلين الأجواء، لكن الصمت الذي تلا جملتي كان إشارة واضحة أن حسي الفكاهي لا يتوافق دائمًا مع الأفراد من حولي.
"لا يمكنني رؤية شيء، ولكن أجزم أنها تنظر نحوك بحذر مخلوط ببعض الفزع" تدخل يوجين ضاحكًا مما دفعني لتبرير فورًا: "لقد كانت مُزحة ليس إلا".
قهقهة متقطعة وصغيرة لا تمس للضحك بصلة خرجت من حلقها مجاملة ليس إلا. كنت راضية فهذا أفضل من ضحكات يوجين علي.
"أين كاريان؟" حاولت تغيير الموضوع بسؤالي، كان يمكنني رؤية تعبيرها التي تبدلت حتى رغم الظلام الدامس، يدها التي تعبث بالأكياس توقفت عن الحركة، تنهدت وتلا تلك التنهيدة صمت غير مريح.
"في القبو".
على الرغم من راحتي لإجابتها أنه حي على الأقل، إلا أن الإجابة نفسها كانت نوعًا ما غير مطمئنة، لما قد يظل مختبئًا في القبو بينما المنزل بأكمله فارغ؟
"اتبعيني" طلبت بينما تتحرك لأحد الأبواب الصغيرة والخشبية داخل المطبخ.
"لا يعجبني هذا الأمر" التفت نحو يوجين وأردت حثه على التقدم معي دون جبن ولكن ما جذبت انتباهي كان شيئًا مختلفًا.
على الرغم من وقوفه بصمت لكن هيئة السيد إليف بدت أكثر خفوتًا وكأنها على وشك الاختفاء تمامًا وهذا ما دفعني للسؤال بهمس: "هل أنت بخير سيدي؟". التفت يوجين فورًا نحو السيد إليف وفي المقابل لم يبدو الأخير متفاجئًا جدًا بسؤالي، وعلى الرغم من ذلك لم يجبني بل قال: "دعينا نتبع الصبية، لا أملك الكثير من الوقت".
ما الي يقصده بحق الله؟
لم يبدو وكأنه فقط يدعوني لذهاب بل بدى طلبًا مُلحًا للتحرك لذلك تحركت نحو الباب أتبع نريليا ويتبعني كلا الشبحين.
السلالم الحجرية نحو القبو كانت ضيقة جدًا وبالكاد تكفي لشخص بالغ، أراهن أن أتريوس أو أغدراسيل كان ليضطرا للإنحناء لدخول هنا.
لم ينر المكان سوى شيء أشبه بمصباح قديم أمسكت به نريليا بداخل جوانبه الزجاجية كانت كرة زرقاء صغيرة تتحرك وتلتف بجنون في مكانها وكلما اصطدمت بأحد جوانب أو زاويا المصباح تزيد شدة إضاءتها قليلًا.
لم تكن السلالم بذلك الطول، ففي النهاية وقفت أنظر من حولي للقبو والأشبه بمخزن صغير وشبه فارغ، يبدو أنهم اعتادوا على تخزين الطعام الذي يصلح تخزينه كالحبوب وبعض المعلبات غريبة الشكل، وفي بعض الأرفف وضعت بإهمال قطع خشب قديمة أو أدوات بناء مهترئة.
كان من الصعب جدًا عدم ملاحظة الضباب! فبالرغم أن الغرفة صغيرة ولكن بعض التفاصيل لم تكن واضحة بفعل الضباب، أيمكن لضباب أن يقتحم المنازل؟ ولما يبدو هنا أكثر شدة من الخارج؟
لم تتوقف نريليا واتجهت نحو أحد الرفوف متوسطة الطول وبدأت في دفعه بكتفها بصعوبة.
حركت يدي وتحكمت بالرياح الموجودة في الغرفة لتبديد الضباب المزعج وفي الوقت نفسه دفعت بعض الجذور للخروج من بين شقوق الأرضية والأرفف والالتفات حول الدولاب ودفعه بسهولة.
اندفع جسد نريليا بخفة عندما انزاح ثقل الرفوف التي حاولت دفعها فجأة، مما دفعها لتمسك بالجدار وموازنة جسدها.
نظرت نحوي ببعض الدهشة التي تشير أنها لم تعتد بعد التواجد حول شخص يمكنه التحكم بأكثر من عنصر، لكنها في النهاية أومأت برأسها شاكرة.
"أهذا الضباب سببه كاريان".
يدها التي اتجهت لفتح الباب توقفت في مكانها جراء سؤالي، لم تلتفت نحوي ولكنها أجابت بصوت مختنق "نعم".
تبًا، لقد ساورتني بعض الشكوك في اللحظة التي دخلنا فيها المنزل، كان الضباب أشد من الخارج وكان هذا غريبًا، والظلام الحالك في المنزل لم يكن بهذه الحُلكة، بل الضباب نفسه كان غامقًا، وكأنه دخان أسود اللون.
في اللحظة التي كانت نريليا تفتح فيها الباب صوت أنين قوي تسلسل من خلفه، وكأن أحدهم يعاني بشدة في كبح صرخاته المتألمة.
تقدمت ببعض التوتر ما إن دخلت نريليا للغرفة، ظننت أن هذا الأمر تحت سيطرتي بالكامل، لكن سبب واحد كان يربكني في هذا الوضع.. في كل مرة نظرت فيها لكاريان، كنت ببساطة أرى أتريوس!
وهذا كان مثيرًا للأعصاب.
نظرت لأرجاء الغرفة، وكما توقعت كان ضباب أسود يغطيها بالكامل، لذلك حركت الهواء في المكان بشدة قليلًا حتى تصبح الغرفة أكثر وضوحًا.
تجمد جسدي في مكانه عندما وقعت على جسد كاريان!
كان يجلس في الزاوية مقيدًا بسلاسل حديدة قوية تلتف حول ذارعيه وقدميه بالكامل، ومعلقة بخطفات مثبتة في الجدار.
كان جسده بالكامل مشدودًا وكأنها يحارب حتى لا يكسر تلك السلاسل عنه، عروقه جميعها بارزة بشكل مخيف وسوداء اللون وكأن كل خلية دماء تسير في جسده تحولت للون أسود قاتم، شفتيه السوداويتين أصبحت دامية لشدة عضه عليها، ومقلتا عينه حالت للون أسود بالكامل، بينما تهجّم وجهه بشدة وكأنه حيوان هائج يكشر عن أنيابه.
في اللحظة التي وقعت عينه عليّ زمجر وكأنه مسعور، وانطلق جسده بعنف نحوي، لم تكن الشجاعة هي ما ثبتت جسدي في مكانه دون حركة، بل الصدمة وحدها.
صوت السلاسل الحديدة وهي تنسحب بسرعة رن في أذني بشدة، قبل أن تشتد كل حلقه فيها متماسكة بأختها تمنع جسده من التقدم إنشًا آخر، كانت المسافة بين وجهي ووجهه إنشات صغيرة، بكل سهولة يمكنني الشعور بأنفاسه الحارة والقوية تضرب بشرة وجهي بينما أحدق بمقلتيه السوداوتين.
ذراعيه سُحبا للخلف بفعل السلاسل التي قيدت حركته وقدمه أحدهما سُحبت بعنف ليقع على ركبة واحدة ولكنه حدق بوجهي بكل كره وشراسة، وكأن هناك فتيل صغير جدًا داخل رأسه، دونه سيمحو كل من في الغرفة في طرفة عين.
يمكنني ملاحظة أثار قيوده حول ذارعه، فقد كانت بشرته متضرره حتى أن السلاسل تركت أثار كالكدمات على طول ذارعه.
لم تبدو رد فعله هذه مفاجئة لأن نريليا لم تبدو كفتاة خائفة أكثر من كونها متألمة بينما تحدق به تحاول منع دموعها بصعوبة.
"لقد كان بخير آخر مرة" لم أجد شيء آخر لقوله، فقد كان هذا هو السؤال الوحيد الذي يدور في خلدي، فقد غبت لأسبوع تقريبًا! كيف لأسبوع أن يفعل هذا بشخص ما!
"بدأت في شكل نوبات صغيرة، كان يبتعد فيها عني ويحاول السيطرة على نفسه، لكن اشتدت الأمر مع الأيام.." بدأت نريليا بالتفسير بينما تحركت نحوه بلا خوف وتابعت: "بدأ يظهر حساسية مفرطة لأشعة الشمس، ثم ألم سيء، ومع الوقت كان من الصعب عليه التعرض لأي ضوء خاصة إذا كان ضوء الشمس.. لهذا عوضًا عن الاختباء لفترات في القبو، أصبح لا يفارقه.."
أردت بسرعة منعها من الاقتراب منه أكثر لكني توقفت وقد اتسعت عيني ببعض الدهشة بينما أراقب جسده الذي التفت بالكامل نحوها ما إن انتبه لها، ولم يحاول الاندفاع اتجاهها كما فعل معي، بقيت التكشيرة نفسها على وجهه ولكنه لم يحاول أذيتها.
امتدت يدها لترتاح فوق رأسه بينما تسمح على شعره مردفه: "النوبات في الصباح أخذت تشتد حتى أصبحت أسوأ حتى مساءً، كانت السلاسل فكرته وقد حاولت منعه بشدة لكنه أبى الاستماع، ألم تلك السلاسل بينما تلتف حول جسده يعيده إلى وعيه قبل أن يتحول بالكامل لضباب أسود".
لكنه لم يحاول حتى إبعادها!
ظل في مكانه وكأنه يألف الشخص رغم أن تعبيره تقول بالكامل أنه لا يعرف من يقف أمامه بل يرى الجميع كأهداف ليس إلا.
تنهيدة قوية غادرت صدرها بينما تحدق بوجهه، التفتت نحوي بنظرات كلها رجاء خالص وقالت: "أرجوكِ ساعديه، كاريان شخص جيد، لا يستحق كل هذا الألم".
كيف لي إخبارها أنني لا أملك أية فكرة عن كيف أساعده؟ هذه مرتي الأولى في التعامل مع إريبوسي.
وإن كان الأحمق اللعين أتريوس قادر على تقبل حقيقة معرفتي بهويته منذ مدة لكان هنا يساعدني الآن أو يرشدني كيف له التحكم بنفسه، لكني الآن وحدي تمامًا.
نظراتها لي وكأني طوق النجاة كانت أشبه بحبل يضيق حول عنقي، كان عقلي يدور بسرعة بينما أحاول التفكير في أي شيء يمكنني قوله. وبينما أشعر بهذا العجز كسر حبل أفكاري صوت أنينه القوي.
تراجع جسده بسرعة بعيد عن نريليا وانكمش في أحد الزوايا وقد ارتجف جسده بجنون وبدأ في الأنين ممسكًا برأسه، ركضت نريليا نحوه وقد أخرجت منشفة صغيره من جيبها وحاولت دسها بين أسنانه، كان من الواضح أنها تمنعه من طحن أسنانه بشدة ضد بعضها.
بدأ في ضرب رأسه بالجدار وكأنه يحاول التخلص من شيء ما داخله مما دفعها بسرعة لوضع يدها بين رأسه والجدار.
نظرت نحوي وقد سالت دموعها من جديد صائح: "أرجوكِ دعي ألمه يهدأ ولو لدقائق".
كنت أكره حالة الفزع التي تصاحبني في مواقف كهذه، لم يكن الوقت أو المكان المناسب لشعور أنني عديمة الفائدة، ولكني لا أعلم حقًا ما يمكنني فعله!
تحذيرات أتريوس وأوكتيفيان كانت تتردد داخل رأسي، عبثي بطاقة لا أدرك ماهيتها قد يزيد الأمر سوء وأخر ما أريده هو أذية كاريان، أو الأسوأ..
قتله!
أجفل جسدي في اللحظة التي لمس فيها يوجين كتفي قائلًا: "اهدأي، أنه في حاجة لك، ربما لا تعلمين ما يجب فعله ولكنك دوما تنجحين بطريقة أو بأخرى".
القول أسهل من الفعل.
وعلى الرغم من ذلك، لم أكن أملك خيارًا، فأنينه المتصاعد كان أشبه بجرس طوارئ يضرب في رأسي يحثني على فعل شيء.. أي شي.
لذلك تقدمت نحوهما وجلست فوق ركبتي أحدق بوجهه وعينه المنكمشة بقوة، فكه مشدود بشكل قوي ككامل جسده.
"الأمران لا يختلفان" كدت ألتفت بسرعة نحو السيد إليف لكن منعت نفسي.
"تذكري جلنار.." بدا متعجلًا بينما يتحدث وصوته أضعف من الطبيعي "إنها واحدة.. الطاقة التي تفتح البوابات، والتي تدفع جسد الشاب للانهيار، إنها لعنة و.. واحدة، هذا كـ.. كل ما يمكنني مـ.. مساعدتك به".
كان يمكنني الشعور بتلك القوة في قصر أركستوراي، أمكنني الإحساس بها والتفاعل معها ولكن لولا أنه تم منعي لكنت فهمتها بشكل أوسع.
ولكن لا يوجد مجال للندم الآن، لذلك كل ما فعلته كان لمس رأس كاريان قبل أن أغمض عيني وأحاول الهدوء حتى أتحكم بأكثر مهارة لم أستطع تفسير لما وكيف اكتسبتها.
شيء فشيء كان يمكنني بسهولة رؤية جسد كاريان وكأنه رسم تشريحي على ورقة سوداء، دماغه وصوت الدماء التي تُضخ داخل رأسه، شبكته العصبية بالكامل والتي كانت متضررة بشكل بشع، كانت الآن أشبه بسيال كهربائي لا يتوقف عن إرسال الألم لباقي جسده.
كانت أكثر تعقيدًا من أن أفهم كيفية تهدئتها لذلك لم تكن هدفي، بل تلك الطاقة السوداء الأشبه بحبر أسود مسكوب داخل شرايينه تضخ خلال جسده بالكامل.
كان من السهل إيجاد المصدر، فهي تتجمع حلو قلبه تضغط عليه، كان يمكنني -رغم عدم فهمي لآلية عمل اللعنة- إدراك أنه كلما حاربها كلما شكلت ضغطًا حول قلبه وربما إن بقي أكثر من هذه المدة بنفس حالته لانفجر قلبه!
كان يمكنني الشعور بطاقة التوبازيوس داخل جسدي كما أشعر بلعنة كاريان تمامًا، لذلك لم يكن من الصعب ملاحظة الطاقة التي تحركت بشكل قوي داخلي نحو جسد كاريان!
لم أحاول منعها، لم أحاول التفكير فيما يحدث، تركت الأمر يحدث بتلقائية ولكن بحذر، لازالت أتذكر ماذا حدث لجسد ذلك الشيطان اللعين المسمى بجانغو في اللحظة التي دفعت بكامل طاقتي لجسده.
لذلك كان عليّ الهدوء والسيطرة على سرعة تدفق تلك الطاقة الذهبية داخل جسد كاريان.
ولم يكن الأمر صعبًا كما ظننت، وكأن لعنته المنتشرة داخل جسده أشبه بخلايا سرطانية كل ما علي فعله هو دفع طاقتي في المكان الصحيح وبالقدر الصحيح لالتهام تلك الخلايا.
شعرت بالراحة بينما ألاحظ جهازه العصبي يصبح أكثر هدوءًا وأنينه أصبح خافتًا حتى انقطع تمامًا.
لم يكن من السهل التحكم لمدة طويلة بقوتي، وحتى فكرة القضاء على لعنته بالكامل كانت مستحيلة.. من المرة الأولى على الأقل.
لذلك عندما بدأت أشعر بإجهاد قوي يهاجم جسدي، حاولت التوقف شيئًا فشيئًا قبل أن أفتح عيني مبعدة يدي من فوق رأسه.
أوردته تبدد السواد فيها لتعود للونها الطبيعي، وكذلك شفتيه رغم بهتان لونها لكنها لم تعد سوداء كالحبر بعد الآن.
رمشت عينيه بسرعة قبل أن يفتحها مظهرًا عدستيه الرمادية وقد لاحظت الآن فقط الدموع التي بللت أهدابه وخديه.
حدق بوجهي بعدم إدراك، وكأنه مخدر لثوانٍ قبل أن تتسع عينه هامسًا: "لقد.. اختفى الألم!" وفجأة عادت الدموع تنساب بغزارة فوق وجنتيه، لم تكن دموع سببها الألم، بل الارتياح.
لذلك سألت أول سؤال تمكنت من التفكير به: "هل أنت بخير؟".
ظل يحدق بوجهي وكأنه غير واعي ولكنه رسم ابتسامة صغيرة على شفتيه وهمس مجددًا: "لقد اختفى.. شكرًا لك". وقبل أن أحاول الحديث معه، سقط رأسه فوق قدمي نريليا.
ظننته فقد وعيه بسبب طاقتي لذلك كدت أبدأ الشعور بالهلع لكن يبدو ان نريليا لاحظت، فقد وضعت ديها فوق كتفي وطمأنتني قائلة: "إنه نائم.. ربما بدون ألم لأول مرة منذ وقت طويل". لذلك حاولت التركيز قليلًا حتى ألاحظ أنها محقة، تنفسه الهادئة والابتسامة الصغيرة التي لازالت فوق شفتيه. لم تكن هناك إشارة تدل على إنه يعاني.
"إلهي جلنار!".
ارتفع رأسي بسرعة لنريليا ما إن هتفت وحدقت بها باستغراب أحاول تجاهل الدوار الذي أصاب رأسي.
"أنتِ تنزفين!". لم أفهم ما تقصد تمامًا، فلم أصب بأي سوء لذلك تلمست وجهي أحاول إيجاد مصدر النزيف.
"تبًا جلنار، أنفك" صاح يوجين وهو يحدق بوجهي بخوف، تلمست أنفي فورًا لتتسع عيني ما إن وقعت على أصابعي، مغطاة بالدماء تمامًا، وفي اللحظة ذاتها شعرت بمذاق الدماء فوق شفتي، فقد كانت تسيل بغزارة حتى أخذت تقطر ملوثة قميصي.
"ارفعي رأسك بسرعة" حاول يوجين المساعدة وأردت إيضاح أن هذا التصرف الاعتيادي خاطئ تمامًا لكنني أدركت أنه سيبدأ بشتمي إذا ما تبجحت بمعلوماتي الدراسية في وقت كهذا.
لذلك أملت رأسي للأسفل قليلًا وحاولت إيقاف النزيف بأكمام سترتي.
"هل أنتِ بخير؟" سؤال ناريليا القلق دفعني لمحاولة النظر نحوها واضعةً ابتسامة مطمئنة "لا تقلقِ، هذا لا شيء".
في الواقع لم أكن أعلم لما يتصرف جسدي على هذا النحو! لم أكن أعلم ما الذي فعلته وكيف سيؤثر عليّ أو الأهم.. على كاريان.
كل ما أعرفه أنني أشعر بإرهاق شديد ودوار يدفع رأسي لسقوط في كل مرة أحاول رفعه فيها، لكنني لم أشأ إقلاق ناريليا لذلك قلت: "سأبقى جالسة هنا قليلًا حتى أطمئن أنه بخير عندما يستيقظ". لم أكن كاذبة تمامًا، فلا يمكنني فهم حالة كاريان بينما يغط في نوم عميق.
ولكنني أيضًا في حاجة ماسة لإراحة رأسي.
"يمكنك استخدام هذه الأريكة، إنها قديمة قليلة لكنها نظيفة".
أكانت هناك أريكة في الغرفة منذ البداية؟
لم أكن الوحيدة التي شعرت بالاستغراب فكان بإمكان سماع يوجين يتمتم: "من الصعب ملاحظة المكان بينما هناك إريبوسي مسعور في منتصف الغرفة". وقد كان محقًا بعض الشيء.
حملت جسدي بصعوبة قليلًا وألقيت به فوق الأريكة غير آبه إن كانت متسخة أم نظيفة، إن كان الغبار يغطي كل شبر منها لكنت ألقيت جسدي عليها بنفس السرعة.
ظللت ممسكة بجسر أنفي قليلًا قبل أن أزيح السترة أحدق بالدماء التي لوثتها.
"هل أنتِ بخير؟".
"أتشعرين أنكِ بخير؟".
سؤال نريليان تزامن مع سؤال يوجين، لذلك دون النظر نحو أيهما أجبت بإيجاب بينما في الواقع لا أملك دليلًا واحدًا يشير إن كنت بخير أم لا.
"سأبقى هنا لبعض الوقت، لذلك يمكنك الراحة قليلًا" قلت محدثة نريليا التي شكرتني وقالت إنها ستبقى لوهلة بجوار كاريان.
"لقد اختفى الملك بالمناسبة". لم يكن تنبيه يوجين مفاجئًا، كان من الواضح أن جلالته يعاني من خطب ما، ربما تلك كانت أطول فترة يبقها بجوارنا، من الذكاء ملاحظة أن بقاءه بعيدًا عن جسده لفترات طويلة سيؤثر عليه لا محالة، لذلك حاولت عدم الشعور بالقلق..
حتى تدخل يوجين قائلًا: "بدا شارد الذهن رغم خطورة الموقف وكأن.. وكأنه يسمع شيئًا أو يرى أحدًا لا نراه، لست متأكدًا ولكن ربما يمكنه الإحساس بجسده المادي وسماع ما يحدث حوله لذلك اضطر للعودة".
رائع!
لذا إن أردت أن أكون دقيقة..
فأنا أعلم أن الملك على قيد الحياة ولكن لا يمكنني فعل شيء أو حتى التأكد من سلامته.
أعرف أن هناك إريبوسي يفقد السيطرة على نفسه يعيش في قبو إلترانيوسية.
هناك نبيل يبحث عن أسم أكثر امرأة أحبها هنا وأكثر فرد مهم في حياة أتريوس!
و.. أوه! أحد الفرسان ليس إلترانيوسي، بل إريبوسي حتى النخاع..
وهذا ما يذكرني مجددًا بمخاوفي التي تسيطر على علقلي كلما واجهت الصمت أو الوحدة لبضع دقائق.. أتريوس!
إن كانت اللعنة نفسها.. فما يحدث لكاريان يحدث لأتريوس أيضًا. إن كان كاريان لا يملك قوة كافية تساعده على منع اللعنة من السيطرة عليها، وعلى الرغم من ذلك بدت قوية جدًا داخل جسده، لذا.. كيف تبدو داخل شخص بقوة أتريوس؟
بينما أحدق بالسقف الحجري كانت الأفكار تتبدل داخل رأسي ككروت اللعب، فكرة وراء الأخرى، سر يليه آخر، وحقيقة مخيفة تناطح صاحبتها.
لذلك كان من المريح جدًا ترك عيناي التي أحارب لإبقائها مفتوحة تُغلقان وحدها..
متجاهلة إسوار التواصل الذي أخذت أحد أحجاره تضيء بإصرار وصوت رنين السماعات الملتصقة خلف أذني بدا كصدى بعيد لا يمكنني سماعه.
أيًا يكن المتصل، يمكنه الانتظار قليلًا.
فلن يُدمر العالم لأنني أخذت غفوة صغيرة!
*******************************
البني ادم الي عمل سكيب لكلامي الفصل الي فات وجه جري لهنا
هعرف اجيبــــــك
تفكتروا مين كان بيرن على الاميرة النائمة اخر الفصل يا ترى
مييين مين ميييين
هيهيهيهيهيهيهيييي
المهممممم
سووو قد يبدو الفصل قصير!!!
ومقارنه بالفصول الي اتعودتوا عليها فهو كذلك
ولكننننننننننن
هو كذلك لسبب، انهم فصلين ورى بعض و...
المفروض هنتعود على كده سوى ان شاء الله لإن أنا أخترت تكون طريقتي قليل مستمر خير من كثير منقطع
ماذا يعني الكلام العميق الكتير ده يا اسراء
يعني اني -وركز في الحته الجيه دي عشان مهمه- يعني اني سأحاااااااااااااااااول بكل ما أوتيت من قوة اني اركز على فصول أقصر...
سمعاك يالي بتقول الأحداث هتكون قليلة...
ان شاء الله لن يحدث، وإن كانت الأحداث قليلة فلو الفصل الي جه بعده بينهم اسبوع او حتى عشر ايام مش هتحسوا انها قليلة لان الاحداث متتابعه مش بينها شهور ومواسم
وقلت هحاول لان انا شخصيا عندي ميل للفصول الطويلة وهي للاسف مستنزفة للوقت والجهد والطاقة وبيجيني فيها انقطاع شغف مش طبيعي
سووووووو
هي فترة تجربه يارب تظبط عشان كده محدش يتعشممممممممم
لسه بحاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااول
وشكرا جدا لدعمكم المستمر
واتمنى لكم عيد أضحى سعيد وعيدية كثيرة ووفيرة ان شاء الله
ولحمة مستوية وجميلة
لوف يووو
اراكم الفصل الجي
باي